الصلح مع وقف التنفيذ

أبو بكر الطيب
حين تتكاثر الشهادات… يصبح الفساد حقيقة لا رأيً ولا اجتهاد
ليس أخطر ما يواجه الأوطان أن يُتهم فسادها،في وضح النهار
وإنما تتكاثر الشهادات عليه،
من زوايا مختلفة،
وبأصوات لا تعرف بعضها،
لكنها تقول الحكاية ذاتها…
بألمٍ واحد، وصوت واحد
وبخلاصة واحدة.
ما جُمع اليوم في فضاء الوسائط الاجتماعية،
ليس «ضجيج أسافير»،
ولا «مكايدات أقلام»،
ولا «خصومات أندية».
هو في جوهره محضر اتهام أخلاقي وإداري يمس قمة الهرم الرياضي
كتبته الجماهير بلسان واحد،
ووقّع عليه الواقع دون حاجة إلى ختم. أو ترقيم
عندما يتفق الخصوم… انتبه للخطر
اللافت – والخطر –
أن هذه الكتابات لم تصدر من معسكر واحد،لأول مرة
ولا من اتجاه فكري واحد،
ولا حتى من ولاءٍ رياضي موحد.
مريخي وهلالي،
مستقل ومتحزّب،
إعلامي مخضرم وشاب غاضب،
كلهم – دون اتفاق مسبق –
التقوا عند ذات النقطة:
الاتحاد السوداني لكرة القدم لم يعد يدير… ولكنه يناور.ويفجر
ولم يعد يُصلح… ولكنه يُغطي.ويتستر
ولم يعد يحكم… ولكنه يُساوم.
عندما يحدث هذا التلاقي النادر،
فالأزمة لم تعد مجرد رأي،
وإنما أزمة بنية.
الفساد عندما يغادر الخفاء
أخطر ما ورد في هذه الشهادات،
ليس الاتهام المباشر،
ولكن تفصيل آليات الفساد:
• لوائح تُفصّل على المقاس.
• مواد تُعدّل «تحت الطاولة».
• أخطاء «مطبعية» تظهر فقط عندما تخدم نادٍ بعينه.
• اجتماعات يُستشهد بها… وينكرها شهودها.
• لجان يفترض فيها الاستقلال، فإذا بها تتحول إلى أذرع تنفيذية لرغبات نافذين.وموالين
هنا لا نتحدث عن فسادٍ عابر،
ولكن عن فساد مُؤسَّس ومقنن
يعرف كيف يلبس ثوب القانون،
وكيف يتحدث بلغة اللوائح،والنظم
وكيف يُخدر الرأي العام بمفردات تقنية معقدة.
اللجان… من أدوات ضبط إلى أدوات حماية ودفاع عن الباطل
تتقاطع معظم الأقلام عند حقيقة موجعة:
أن اللجان – التي وُجدت لحماية العدالة –
تحولت إلى خط الدفاع الأول عن الخطأ.وتبريره وتحصينه
عندما تصبح لجنة شؤون اللاعبين
أكثر حماسًا لتبرير المخالفة
من صاحب المخالفة نفسه،
فاعلم أن العدالة خرجت من الاجتماع مبكرًا.وغادرة إلى غير رجعة
وعندما يجهل أعضاء مجلس الإدارة
تعديلات «مصيرية» في لوائح رسمية،
ويُفاجأون بها منشورة ومُوقّعة،
فاعلم أن المؤسسة لم تعد تعمل بمنطق دولة، وإنما بمنطق الورشة
إنها تعمل بمنطق حلقة مغلقة.
دوري النخبة… السياسة عندما ترتدي قميص الكرة وتنزل الملعب
أما فكرة «دوري النخبة في الخرطوم»،
فقد جاءت – كما رأى كثيرون –
لا كمشروع رياضي،
إنها ورقة سياسية بامتياز.
استثارة للحنين،ومن قلة عادته قلة سعادته
اللعب على وتر العودة،
القفز فوق واقع أمني وإنشائي معقد،
وبيع حلمٍ أكبر من القدرة على تنفيذه.وبيع الماء في حارة السقايين
من فشل ثلاثين عامًا في إكمال ملعب،
لا يُقنع أحدًا بأنه سيُصلح منظومة ملاعب
في أربعة أشهر…وعشرة ايام
إلا إذا كان الهدف غير الإصلاح أصلًا.
وعندما يصبح الدفاع عن الخطأ أسرع
من الدفاع عن سمعة الوطن،
فاعلم أن البوصلة انكسرت.
مبادرة الصلح… قبل أن تُولد ميتة
خلال الايام، تصدرت مبادرة الصلح بين معتصم جعفر ودكتور حسن برقو
إن الأحداث.
انطلقت لمبادرة في جو من التفاؤل، وبدعوة علنية إلى التهدئة،
لكن سرعان ما انكشفت ضعفها قبل أن تبدأ.
لا تشاؤم في ذلك،
إنها قراءة واقعية للمشهد:
• المبادرة جاءت بدون آليات تنفيذ واضحة.
• ولم تضع ضمانات للمساءلة.
• ولم تُقوَّم مسببات النزاع نفسه…
إنها ركّزت على تخفيف التوتر لفظيًا فقط.مع دعوات وتمنيات بالنجاح
بالتالي، فإن الثمن الذي تطلبه هذه المبادرة
(من تضحيات ومكاسب رمزية)
أعلى بكثير مما يستطيع اتحادنا فعلاً أن يقدمه،
وهو اتحادٌ عاجز عن دفع مشاريبها قبل أن يدفع مشاريب الكرة نفسها.
وقبل الختام :-
ما نراه اليوم
ليس حملة منظمة،
إنه إنذار أخير.
إنذار يقول:
• إن كرة القدم السودانية تُدار بعقلية مؤقتة. • وإن الفساد حين لا يُحاسَب… يتمدّد. • وإن الصمت الطويل علّم البعض أن لا أحد يُسأل.
هل ما يحدث مجرد انكشاف…
أم بداية انهيار لا رجعة فيه إن لم يُتدارك؟
واهلك العرب قالوا:
إذا كنت في قومٍ تُقيمُ بهِ الدُّنيا … فلا تطلبْ نَجاحاً، وإنما النجاحُ أنْ تمضي
وللريح – وهي تشتد – نقول:
لَو كانَ في الصَّخْرِ حَياةٌ لَماتَ النَّدى … فَمَنْ يَرْتَجِي مِنْ صَخرَةٍ قَطْرَةَ مَاءٍ”
والله المستعان
