تحقيقات

فساد الحارس.. ليست الكارثة في أن تخطئ الفكرة

عدد الزيارات: 42
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

فالأفكار بطبيعتها تحتمل الخطأ والصواب والمراجعة والتقويم.
ولا ليست هناك مصيبة في أن يتعثر المشروع، فالتعثر جزء من مسار النهوض والتصحيح.
إنما الخطر الحقيقي، عندما يُفسد الحارس من أُوكل إليه الحماية والرعاية وأُتمن على مصير البلاد والعباد،
وعندما تتحول الجهة التي وُجدت لصيانة المعنى إلى أول من يهدمه.

الرياضة، في أصلها، ليست مجرد منافسة ولا بطولات تُرفع ولا نقاط تُحصى،
هي قيمة تربوية، ومنظومة أخلاقية، ومجال عام يُفترض أن يُدار بالعدل، والشفافية، واحترام القانون.

وعندما تفقد الرياضة هذا المعنى، فابحث لا عن اللاعبين، ولا عن الجماهير،
ابحث عن الحارس.

في السودان، لم تُخرج الرياضة عن معناها قلة الإمكانات وحدها،
ولا الحرب، ولا الظروف الاستثنائية كما يُروَّج،
وإنما أخرجها عن معناها من يفترض أنهم حُماتها:
الاتحاد الذي صار يمارس دور اللاعب، والحكم، والمشرّع، والخصم، في آنٍ واحد.

وعندما تختلط الأدوار، تضيع الحدود،
ويصبح القانون مطاطيًا،
ويتحول “الاستثناء” إلى قاعدة،
وتُدار الرياضة بمنطق: نُجري ما نشاء، ثم نبحث له عن مبرر لاحق.

لقد كتبنا كثيرًا عن الوقائع،
عن دوريات مشوّهة،
عن لجان تُفتي وتُعيّن بلا مساءلة،
وعن إقصاء أندية واتحادات وشخصيات دون مسار قانوني شفاف،
وعن قرارات تُتخذ في الغرف المغلقة، ثم يُطلب من الوسط الرياضي التصفيق لها باعتبارها “مصلحة عامة”.

لكن السؤال الأخطر ليس: ماذا حدث؟
ولكن: كيف سُمح له أن يحدث؟

هنا بيت القصيد.

عندما يتحول الاتحاد من حارس للفكرة إلى مالك لها،
ومن خادم للرياضة إلى وصيٍّ عليها،
فإن أي نقد يُصوَّر على أنه خصومة،
وأي مطالبة بالقانون تُعد تمردًا،
وأي محاولة للإصلاح تُفسَّر على أنها استهداف.

وهكذا تُفرَّغ الرياضة من معناها،
لا دفعة واحدة،
وإنما بالتقسيط المريح.

نرى ذلك في:
• إدارة النشاط بعقلية الطوارئ لا بعقلية التخطيط.
• تغييب المؤسسات لصالح الأفراد.
• استخدام اللوائح كسوط، لا كميزان عدل.
• تغييب التربية الرياضية لصالح الصراع الإداري.

والأخطر من كل ذلك،
أن يعتاد الوسط هذا التشوه،
فيصبح السؤال عن العدالة “ترفًا”،
والقانون “وجهة نظر”،
والخلل “أمرًا واقعًا”.

عند هذه النقطة، لا يعود الفساد صاخبًا،
ولكن يصبح صامتًا…
والفساد الصامت أخطر من الفساد المعلن.

نحن لا نكتب اليوم لنفتح ملفًا بعينه،
ولا لنُعيد سرد وقائع يعرفها الجميع،
وإنما لنقول بوضوح:
إذا فسد الحارس، فلا تنتظر من الفكرة أن تبقى نقية.

ولا يمكن إصلاح الرياضة:
• بلجان ترقيعية،
• ولا بمصالحات بلا رد مظالم،
• ولا بتدوير الوجوه ذاتها تحت شعارات جديدة.

الإصلاح يبدأ فقط حين يعود الحارس إلى مكانه الطبيعي:
خادمًا للفكرة لا متحكمًا فيها.

وأهلك العرب قالوا:

إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ ضاربًا
فشيمةُ أهلِ البيتِ كلُّهمُ الرقصُ

وقالوا أيضًا:
من أمِنَ العقوبةَ أساء الأدب

والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..