الاستقواء بالزمن.. عندما يتحول البطء القضائي إلى غطاء للتجاوز

أبو بكر الطيب
إن أخطر ما يواجه المنظومات الرياضية أن تُدار بغير المنتخبين،
وأن تطول مدة هذا “الاستثناء”
حتى يتحول إلى وهم وشرعية
ويصبح الباطل مألوفًا ومستساغ
والمخالفة ممارسة يومية.كأنها من الواجبات
إن ما نشهده اليوم في لجنتي التطبيع في نادي المريخ واتحاد الخرطوم لا يمكن أن يكون تصنيفه بخلل إداري عادي وإنما تحايل بتجاوز هذه المرحلة وتعديها لتصبح نموذج حي لـ سيكولوجية الاستقواء بالزمن، حيث يُستبدل احترام القانون بفلسفة “الأمر الواقع”، ويُستبدل الخضوع للقضاء بمنطق المراوغة حتى الإنهاك.ولنأخذ لجنة تطبيع اتحاد الخرطوم كمثال حي
أولًا:
وهم القوة والشرعية الزائفة عندما يغلب الـ De Facto على الـ De Jure
إن من أخطر التحولات النفسية التي تصيب الكيانات غير القانونية، ما يمكن تسميته بـ التطبيع النفسي مع الخطأ.
تبدأ المخالفة كحالة مؤقتة، ثم تتحول بمرور الوقت إلى “حق مكتسب” في وعي من يمارسها.
خاصةً إذا كانوا من إنصاف المتعلمين
هنا تتشكل معادلة مغلوطة:
• نحن ندير المنافسات
• نحن نصرف الميزانيات
• نحن حاضرون على الأرض
إذًا — في تصورهم — نحن أحق بالشرعية من النص القانوني ذاته.
ومن القرارات القضائية
وهذا منطق خطير، لأن القانون لا يعترف بالإنجازات الناتجة عن وضع غير مشروع، ويعتبرها آثارًا لباطل لا تُكسب حقًا، ولا تُنشئ مركزًا قانونيًا محميًا.
ثانيًا:
استغلال “ثغرة الزمن” في التقاضي – من العدالة إلى التاريخ
الإشكال الحقيقي ليس في اللجوء إلى القضاء، وإنما في هندسة استغلال بطئه.
هؤلاء لا يتعاملون مع المحاكم بمنطق:
من هو صاحب الحق؟
وكم من الوقت يمكننا أن نبقى؟
- سياسة فرض الأمر الواقع
يعلمون أن الحكم النهائي قد يتأخر، وخلال هذا التأخير:
• تُدار أموال
• تُغيّر لوائح
• تُعاد صياغة الخريطة الإدارية
حتى إذا صدر الحكم، قيل:
كيف نعيد كل هذا؟”
وهنا تكمن الجريمة القانونية والأخلاقية:
تعمد إفراغ الحكم القضائي من قيمته العملية. - المراهنة على الإنهاك والنسيان
يطيلون أمد النزاع، لا لثقتهم في سلامة موقفهم، وإنما لرهانهم على:
• إنهاك الخصوم معنوياً
• إنهاكهم نفسيًا
• وقتل القضية بالوقت
ثالثًا:
أين الخلل القانوني؟ ولماذا لا يرتدعون؟
المدخل هنا هو المقولة الخالدة:
“من أمن العقاب ساء الأدب” - غياب النفاذ المعجل
في كثير من النزاعات الرياضية والإدارية، لا يُفعّل مبدأ:
• التنفيذ المعجل
• أو الأوامر الوقتية
التي توقف الأثر الضار فورًا، حتى قبل الفصل النهائي.
وهذا خلل قاتل، لأن النزاع هنا ليس ماليًا فقط، بل يمس النظام العام الرياضي. - العقوبة الاعتبارية لا الشخصية
أقصى ما يتوقعه هؤلاء:
• حل اللجنة
• إنهاء التكليف
وهم أصلاً يعلمون أن هذا المصير قادم، فيتعاملون مع الفترة المتبقية كـ غنيمة مؤقتة.
القانون عندما لا:
• يمس الذمة المالية الشخصية
• ولا يفرض مسؤولية فردية
فإنه يتحول إلى نص بلا أنياب.
رابعًا:
سيكولوجية “الهروب إلى الأمام” – البجاحة كوسيلة دفاع
كلما تراكمت المخالفات، أصبح التراجع مستحيلًا نفسيًا.
لأن التراجع يعني:
• الاعتراف
• المساءلة
• وربما التجريم
لذا يختارون:
• إصدار مزيد من المنشورات
• إقامة مزيد من المنافسات
• الظهور الإعلامي المكثف
وكأن الرسالة للقضاء:
“نحن موجودون ونعمل… فكيف تلغون وجودنا؟”
وهي رسالة تحمل في طياتها ازدراءً صريحًا لهيبة الدولة.
خامسًا:
كيف يمكن تعجيل الحسم قانونيًا في السياق الرياضي؟
هنا بيت القصيد، وهنا يجب أن ينتقل الصراع من الشكوى إلى الهجوم القانوني المنظم: - تفعيل مبدأ وقف الضرر
الطعن لا يجب أن يقتصر على “إلغاء القرار”،
• وطلب وقف كل آثاره فورًا
• باعتباره ضررًا مستمرًا لا يُجبر لاحقًا - توصيف الأفعال كـ “ازدراء للأحكام”
الاستمرار في ممارسة الصلاحيات رغم الطعون والأحكام:
• يمكن توصيفه كتعطيل متعمد للعدالة
• أو تجاوز لسلطة القضاء
وهو باب يجب فتحه بجرأة. - نقل المسؤولية من اللجنة إلى الأفراد
أخطر ما يجب كسره:
• فكرة الاحتماء بالكيان الاعتباري
المخالفة إذا ثبتت، يجب أن:
• تُنسب لأشخاص
• وتُحمّل تبعات شخصية - تدويل المسألة عند اللزوم
حين تفشل المنظومة الداخلية في حماية العدالة:
• يصبح اللجوء للاتحادات القارية والدولية
• ليس تصعيدًا، ولكنه ضرورة قانونية
لأن الفيفا نفسها لا تعترف بالشرعية الناتجة عن مخالفة القانون المحلي.
وقبل الختام : –
أزمة منظومة… وفساد ضمير
نحن أمام ازدواجية قاتلة:- ثغرة في المنظومة: بطء التقاضي الذي يحوّل العدالة إلى ذكرى.
- فساد في الضمير الإداري: فئة تظن أن الزمن يحميها، وأن الحصانة المؤقتة درع دائم.
ينسون — أو يتناسون — أن:
حبال المحاكم وإن طالت، فهي لا تنقطع، ولكنها تلتف بهدوء حول عنق التجاوز.
وأن التاريخ الرياضي لا يرحم من بنى كيانه على باطل،
ولا يخلّد إلا من وقف — ولو وحيدًا — في صف القانون. واهلك العرب قالوا:
الحق قد ينام، لكنه لا يموت…
والباطل قد يعلو، لكنه لا يدوم.
وإذا ما كنتَ في قومٍ تُعَدُّ** فكنْ منهم إذا ما كانَ عَدْلُ” “وإنْ كانَ الظلمُ أتى لِتَرضَى **فلا ترضَ الظلمَ، فإنَّهُ لا يُدومُ”.
والله المستعان
