العدل الموسمي.. قضية محمد دبروسة وفضيحة الكيل بمكيالين!!

أبو بكر الطيب
الموضوع ليس قضية لاعب الموضوع هو امتحان ضمير
من الوهلة الأولى، تبدو قضية اللاعب محمد (دبروسة – المريخ – شكوى الأهلي مروي)
قضية نزاع في اجراءات تسجيل لاعب ووجود مخالفة قانونية تستوجب المحاسبة وتطبيق القانون
ولكن وكما تعوّدنا في دفاتر الاتحاد السوداني لكرة القدم.
ما إن تنفجر قضية بتفاصيلها ،
وتتدفق الاعترافات،
فتحوّل الشكوى إلى إعلان رسمي بباب البيت” لا همس غرف،
حتى يتضح لنا أننا لسنا أمام خطأ إداري أو قانوني يتضح لنا أننا
أمام مرآة قاسية كشفت أخلاق المشهد الرياضي كله.
هذه القضية ،
قضية عدالة انتقائية،
وقانون يُستدعى حين يخدم، ويُغيب حين يُحرج.
أولًا: جوهر القضية… ماذا حدث؟
الوقائع المجردة من المزايدات تقول إن:
• لاعبًا مقيّدًا باسم نادٍ (دبروسة)
• جرى تسجيله لنادٍ آخر (المريخ)
• وشارك في منافسة رسمية
• فتقدّم الأهلي مروي بشكوى طاعنًا في أهلية التسجيل
حتى هنا، نحن أمام نزاع قانوني واضح:
إما أن التسجيل صحيح،
أو باطل وتترتب عليه عقوبات.
هذا امر آخر يحسم بالطرق القانونية
لكن ما فجّر المشهد ليس الشكوى،
إنها الاعترافات والفضائح التي أدلى بها مسؤولون،
وكشفت كيف تُدار التسجيلات،
وكيف تُفتح الأبواب أحيانًا بلا مفاتيح قانونية.
ثانيًا: الصراخ المتأخر… لماذا الآن؟
هنا مكمن الدراما الحقيقية.
فجأة:
• الجميع يتحدث عن القانون
• الجميع يستشهد باللوائح
• الجميع ينادي بالأخلاق الرياضية
• الجميع يطالب بالعدالة والإنصاف
وهنا السؤال الذي لا مفر منه:
أين كنتم؟
أين كنتم:
• عندما ذُبحت أندية ود نباوي، توتي، والزومة
من الوريد إلى الوريد أمام الجميع؟
• أين كنتم حين مُنعت اتحادات كاملة من دخول جمعياتها العمومية؟
• أين كانت هذه الحناجر عندما فُصّلت القوانين على مقاس الاتحاد العام؟
• أين كنتم عندما عُيّنت لجنة تطبيع لاتحاد الخرطوم
دون أي مسوغ قانوني؟
• أين كانت هذه “الغيرة على القانون”
عندما تحدّى الاتحاد السوداني قرار المحكمة العليا
وجدد للجنة التطبيع في سابقة تهز دولة القانون؟
لم نسمع صراخًا،
ولا شاهدنا حملات،
ولا قرأنا بيانات غاضبة.
الصمت كان سيد الموقف…
لأن الظلم يومها لم يكن ضدكم.
ثالثًا: الكيل بمكيالين… المرض الأخطر
القضية الحالية – مهما بلغت بشاعتها –
لا تزيد خطورتها القانونية
عن عشرات المخالفات التي ارتكبها الاتحاد السوداني عبر مسيرته وخاصةً في الثمانية اشهر الماضية فقط
لكن الفرق أن:
• هذه المرة الضرر مسّ أطرافًا لها صوت وحلقوم
• هذه المرة المصالح تضررت
• هذه المرة “العدل” أصبح مفيدًا
وهنا ينكشف جوهر الأزمة:
إننا لا نغضب للحق…
نحن نغضب عندما يُمس حقنا فقط. حينها تقوم الدنيا ولا تقعد
وهذا أخطر من أي تسجيل غير قانوني،
لأنه يهدم فكرة العدالة من أساسها.
رابعًا: الاتحاد السوداني له تاريخ من التطبيع مع المخالفات
وما يحدث اليوم ليس استثناءً، إنها حلقة جديدة في مسلسل تركي طويل:
• تجاوز قرارات القضاء
• تحصّن خلف لوائح مُفصّلة
• استخدام “الخوف من الفيفا” كفزاعة
• إدارة الأزمات بمنطق الأمر الواقع
فمن اعتاد على مخالفة القانون بلا حساب،
لا يمكن أن يُفاجئنا حين يخالفه مرة أخرى.
الصدمة ليست في الفعل،
الصدمة الحقيقية في تظاهر البعض بالدهشة.
خامسًا: الدرس الأخلاقي… قبل أن يكون قانونيًا
نعم،
نحن مع محاسبة أي مخالفة،
وضد أي تسجيل غير قانوني،
وضد أي عبث باللوائح.
لكننا ضد:
• العدالة بالمناسبة
• الأخلاق بالانتقاء
• القانون بالمزاج
فالحق:
• لا يتجزأ
• ولا يتلون
• ولا يُطالب به عندما يخدمنا فقط
ومن لم يكن صوته حاضرًا
عندما ظُلم الآخرون،
فليُراجع نفسه
قبل أن يرفع راية العدل اليوم.
وقبل الختام : —
إن أردتم عدلًا… فكونوا عادلين دائمًا
قضية محمد دبروسة
يجب أن تُحسم بالقانون،
لا بالهتاف،
ولا بالميول،
ولا بتاريخ الأندية.
لكن الأهم منها:
أن نتعلّم – إن كنا صادقين –
أن العدالة موقف أخلاقي دائم
لا ردة فعل غاضبة.
وإلا،
فكل هذا الصراخ
لن يكون دفاعًا عن القانون،
إنه مجرد صياح
عند وجع الكف، لا حين نزف الضمير.
واهلك العرب قالوا:
من رضي بالظلم حين نجا منه،
فلا يلومنّ إلا نفسه إذا أدركه
ولو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفا لما أقدم على الظلم.
والله المستعان
