وسط الرياح

الخروج من جلباب أبي

عدد الزيارات: 19
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط الكيانات بفعل خصومها، وإنما تسقط عندما تفقد ثقتها بذاتها، وتسلّم إرادتها طوعاً لغيرها. وما نراه في المشهد الرياضي ليس أزمة قوانين ولا فقر موارد بقدر ما هو أزمة وعي واستقلال قرار؛ أزمة أندية رضيت أن تعيش في «جلباب غيرها»، وتستعير صوتاً ليس صوتها، ورأياً لا يشبهها، وموقفاً يُصاغ لها في غرفٍ لا تعرفها.
لقد آن الأوان أن نتحدث بوضوح، وبلا مداهنة :
أكبر خطر واجه أندية الخرطوم في السنوات الأخيرة هو الاتحاد العام، لجنة التطبيع، والقرارات الجائرة؛ كما كان لتبعية المضلِّلة، والارتهان لمن يدفع اليوم ليصادر غداً الدور الأكبر في طمس الشخصية والكرامة والقرار.
رأينا أندية عريقة، بتاريخها وقواعدها وجماهيرها، تتحول إلى توابع تدور في فلك أشخاص أو مجموعات، لا لشيء إلا لأنهم تكفلوا بدفع رسوم، أو وفّروا دعماً مؤقتاً، أو وعدوا بحماية زائفة.
وهنا يبدأ الثمن الحقيقي:
تصمت عندما يجب أن تتكلم،
وتُصفّق عندما يجب أن تعترض،
وتُستَخدم وقوداً في معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل.
إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يصنع إدارات، وإنما يُفرّغها من روحها.
ولا يبني مؤسسات، ولكن يخلق ولاءات هشة.
ولا ينهض بالرياضة، وإنما يُدخلها في ساقية الوهم والكسب الرخيص؛ حيث يصبح الموقف سلعة، والصوت مؤجَّراً، والشرعية قابلة للتدوير.
اليوم، وبعد أن قال القضاء كلمته، وأسقط وهم «القوة خارج القانون»، فإن الرسالة يجب أن تكون موجهة أولاً للأندية نفسها:
تحرروا…
فلا نهضة مع التبعية،
ولا مجد يُصنع بالاستجداء،
ولا كرامة لكيانٍ يعيش في ظل غيره.
أندية الخرطوم لا تحتاج إلى أوصياء.
تملك من التاريخ ما يكفي،
ومن العقول ما يؤهلها،
ومن القواعد والجماهير ما يجعلها قادرة – لو أرادت – على صناعة المستحيل.
لكن ذلك لن يتحقق إلا بالخروج الشجاع من «جلباب أبي»؛ أيّاً كان هذا الأب:
شخصاً، أو مجموعة، أو اتحاداً، أو ممولاً مشروطاً.
إن الاستقلالية شرط وجود.
وعزة النفس ليست شعاراً، هي منهج إدارة.
ومن يظن أن المال الذي يُدفع بلا شفافية هو «دعم»، لا يدرك أنه في الغالب فاتورة مؤجلة تُسدّد من القرار والموقف والهوية.
نقولها بصدق ومسؤولية:
من يعتاد السباحة بحمد غيره، سيغرق يوم يجف النبع.
ومن يتكئ على غيره في كل صغيرة وكبيرة، سيفقد القدرة على الوقوف حين تُسحب العصا.
اليوم فرصة تاريخية أمام أندية الخرطوم لتعيد تعريف علاقتها بنفسها، وبالوسط الرياضي، وبالاتحادات.
فرصة لبناء إدارات قوية، لا تُدار بالهواتف، ولا تُقاد بالتوجيهات، ولا تُختطف باسم «المصلحة».
فرصة لأن تقول: نعم نتعاون، لكن لا نتبع. نتحاور، لكن لا نُستَخدم. نختلف، لكن لا نبيع أنفسنا.
في وسط الرياح نقولها بلا تردد:
الطريق إلى المجد لا يمر عبر جيوب الآخرين، ولكن عبر عقولكم، ووحدتكم، واحترامكم لذواتكم.
ومن أراد أن يكون رقماً صعباً، فليبدأ أولاً بأن يكون نفسه.

واهلك العرب قالوا:

ومن يجعلِ المعروفَ في غيرِ أهلِه
يكن حمدُه ذمّاً عليه ويندمِ
لا تـيـأسوا أن تـسترِدٌّ مـجدكم
فـلرُب مـغلوب هـوى ثم ارتقى
مـدّت لـهُ الآمـال فـي أفـلاكها
خـيط الـرّجاء إلـى الـعُلا فتسلقا
من رام وصل الشمس حاك خيوطها
سـبـباً إلــى آمـالـه وتـعلقا

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..