فندق مارينا.. هل يُلدغ برقو من الجحر مرتين؟
أبو بكر الطيب
إنه مساءٌ بورتسودانيٍّ بدا هادئًا على غير عادة كرة القدم السودانية، احتضن فندق “مارينا” لقاءً وُصف بأنه تاريخي، وجاء بيانٌ للرأي العام يُبشّر بما سُمّي «لمّ الشمل» بين الدكتور معتصم جعفر والدكتور حسن برقو. صورةٌ جامعة، ابتسامات محسوبة، ولغةٌ دبلوماسية تُكثر من مفردات “المصلحة العامة” و”تجاوز الخلافات” و”فتح صفحة جديدة”.
لكن، وكما تعلّم قارئ وسط الرياح، فإننا لا نقرأ الصور، إننا نقرأ ما خلفها، ولا ننبهر بالبيانات، ونفتش عمّا سُكِت عنه فيها قبل ما كُتب.
منذ الوهلة الأولى، يفرض سؤال نفسه بعناد:
هل ما جرى في مارينا صلحٌ حقيقي، أم هدنة مؤقتة بانتظار أول خلاف؟
الأكثر إلحاحًا من ذلك سؤالٌ مباشر لا يحتاج كثير ذكاء:
ماذا ينتظر دكتور حسن برقو من معتصم جعفر؟
وأي ضماناتٍ جديدة وُضعت هذه المرة حتى لا يتكرر سيناريو منتصف العام الماضي، حين تم استدراج برقو إلى مربع الوعود، ثم أُغلق الباب خلفه بعد أن حُسمت الانتخابات، وتقاسمت المجموعة الأخرى الغنائم، وخرج الرجل من المشهد بلا تفسير ولا اعتذار؟
التجربة كانت درسًا قاسيًا في السياسة الرياضية، درسًا دفع برقو ثمنه معنويًا وإداريًا. لذلك فإن عودته اليوم إلى ذات الطاولة، وفي ذات السياق، ومع ذات الأشخاص، لا يمكن أن تمر بلا علامات استفهام كبيرة.
هل نحن أمام مراجعة صادقة؟
أم أمام ذاكرة رياضية قصيرة؟
أم — وهو الأرجح — أمام محاولة يائسة لترميم مشهدٍ متشقق بعد أن ضاقت الخيارات؟
الحقيقة التي لا يحبها البعض أن كرة القدم السودانية ظلت لسنوات رهينة توازنات أشخاص لا مشاريع، وتحالفات لا تقوم على برامج ولكنها تقوم على تبادل الأدوار. نفس الوجوه، نفس الخطاب، ونفس النتائج: أزمات متكررة، صراعات، تجميد نشاط، وتراجع مخيف على كل المستويات.
المجموعتان اللتان تتبادلان المواقع منذ سنوات لم تقدما للكرة سوى إدارة الأزمة، لا حلها.
لم نرَ منهما خطة واضحة لتطوير القاعدة، ولا إصلاح التحكيم، ولا ضبط التسجيلات، ولا احترام المؤسسات والولايات. كل ما رأيناه هو صراع على الكراسي، ثم مصالحة عند الحاجة، ثم صراع جديد… وهكذا دواليك.
وإذا كان صلح مارينا صادقًا، فلماذا جاء عامًّا، فضفاضًا، بلا تفاصيل؟
لماذا أُجّل البيان التفصيلي إلى “وقت لاحق”؟
ولماذا غابت الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تشغل الشارع الرياضي؟
التأجيل هنا دليل على أن الخلافات الحقيقية ما زالت قائمة، وأن ما جرى هو تقريب مسافات لا توحيد رؤى. فالصلح الحقيقي لا يخشى التفاصيل، ولا يهرب من الإعلان عن نقاط الاتفاق والاختلاف، أما الصلح الهش فيُفضّل الغموض حتى لا ينكشف سريعًا.
إن أخطر ما في هذا المشهد أن يُسوّق للرأي العام على أنه “منقذ”، بينما هو في الحقيقة إعادة تدوير لأزمة قديمة. فالكرة السودانية لا تحتاج إلى صور تذكارية ولا بيانات إنشائية، إنها تحتاج إلى قرارات موجعة، وقطيعة حقيقية مع عقلية الفرد والشللية.
نقولها بوضوح ومن غير غتغته :
ابحثوا عن دماء جديدة.
فحواء السودان ولّادة، والوسط الرياضي مليء بكفاءات نظيفة لم تُستنزف في هذه المعارك القديمة. أما الإصرار على الأسماء ذاتها، فقد جرّبناه بما يكفي، وكانت النتيجة أطلال كرة، وجماهير محبطة، ولاعبين تائهين بين التسجيلات والمحاكم.
الكرة السودانية اليوم مريضٌ مفتوح على طاولة الجراحة.
إما أن يُجرى له تدخلٌ جراحي حقيقي — مؤلم، صريح، وشجاع —
وإما أن نستمر في تخديره ببيانات “لمّ الشمل” حتى يخرج من الحياة الرياضية بهدوء… بلا ضجيج، وبلا كرامة.نحن الآن امام ولادة قيصرية لجنى. ثمانية شهور
واهلك العرب قالوا :-
وا حرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ
مالي أكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي
وتَدَّعي حبَّ سيفِ الدَولَةِ الأمَمُ
إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً
فَلا تَظُنَّنَّ أنَّ معتصم يبتَسِمُ
والله المستعان
