وسط الرياح

القضية الرياضية في مِشنقة “المصالحات الورقية”

عدد الزيارات: 15
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

تبحث الأمم غالبًا عن صيغٍ راسخةٍ للعيش المشترك، وتؤسس حواراتها الوطنية على قواعد العدالة وبناء المؤسسات الرياضية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أسسٍ وبرامج، ولكن يبدو أن الوسط الرياضي عندنا قد اختار طريقًا آخر؛ طريقًا يُدار فيه الخلاف بالعناق أمام الكاميرات، وتُحل فيه الأزمات بالصور لا بالقرارات.

وبالتسويات والترضيات لا بالقوانين واحترام القيم والأخلاق.

ما جرى بين الرجلين، رغم أنه حدثٌ إداريٌّ لطيّ صفحة خلاف، في مشهدٍ مكثفٍ يختصر فلسفة إدارةٍ كاملة: إدارة لا تعترف بالقانون إلا حين يقترب من عنقها، ولا تتحدث عن المصلحة العامة إلا حين يلوّح الخارج بعصاه.

لو أسقطنا فلسفة “العصا واليد والعين” على هذا الواقع، سنجد أن الجمهور ظل طويلًا مشغولًا بالعصا: القضايا، التجميد، الخطابات، والردود، بينما اليد التي ترفع العصا كانت تتحرك وفق حسابات أخرى، وعندما لمحت العين خطرًا قادمًا من وراء البحار، تغيّر الإيقاع فجأة، وتبدلت النبرة، وظهرت لغة التصالح.

هذا ليس صلح القناعة، إنه صلح الاضطرار.

ليس مراجعة للمواقف، ولكن إعادة تموضع للمواقع.

عندما يصبح الخوف قانونًا غير مكتوب

الحقيقة التي يتداولها الجميع همسًا، ويتجنبها كثيرون جهرًا، أن الاتحاد السوداني يعيش منذ فترة تحت ظل سؤال قانوني ثقيل: هل وضعه القانوني سليم؟ وهل بنيته الإجرائية والإدارية قادرة على الصمود أمام فحصٍ خارجيٍّ دقيق؟

هذه ليست شائعة مجالس، إنها هاجسٌ حقيقي تغذّيه الشكاوى المتراكمة، والطعون، والمكاتبات، والقراءات القانونية التي تشير إلى ثغرات إجرائية قد تضع شرعية الاتحاد نفسها تحت المجهر.

وهنا نفهم لماذا يتبدل الخطاب فجأة، ولماذا تصبح “المصالحة” ضرورة عاجلة، لأن الخطر هذه المرة ليس خلافًا داخليًا يمكن احتواؤه، إنه احتمال مساءلة خارجية قد تُعيد ترتيب المشهد كله من أساسه.

عندما تشعر أي مؤسسة أن ملفها القانوني قد يُفتح على طاولة دولية، فإن أول ما تبحث عنه ليس الإصلاح، إن أهم خطوة تقوم بها هي تقليل الخصوم، وليس تصحيح المسار، وإنما تخفيف الأصوات، وهنا تتحول المصالحة إلى أداة دفاع، لا خطوة بناء.

ارتهان الخارج… وعجز الداخل

اتحادٌ يعيش في حالة ردّ فعلٍ دائم، ينتظر ما سيأتي من الخارج ليحدد كيف يتحرك في الداخل، هو اتحاد فقد روح المبادرة، يشبه في ذلك الدول التي تعتمد على المساعدات الدولية لبقائها، فتفقد تدريجيًا قدرتها على اتخاذ قرارٍ سياديٍّ مستقل.

الخوف من “الفيفا” لم يعد خوفًا من عقوبة رياضية، ولكن خوفًا من انكشاف إداري، لأن المشكلة لم تعد في النتائج داخل الملعب، ولكنها في الأوراق خارج الملعب.

وهنا تتضح المفارقة المؤلمة:

بدل أن يكون القانون مظلة تحمي المؤسسة، أصبح شبحًا تخشاه المؤسسة.

ذاكرة تمحو نفسها

تتكرر الخلافات… ثم تتكرر المصالحات… دون أن يتغير شيء في بنية العمل، وكأن الأزمة ليست في الفعل، وإنما في الذاكرة. ذاكرة تمحو كل ما حدث بمجرد أن تفتح الأبواب من جديد.

هذا النمط المتكرر لا يدل على مرونة إدارية، إنه يدل على غياب معالجة حقيقية للجذور، لأن أي مصالحة لا تقوم على تصحيح مؤسسي، وعدالة إجرائية، ووضوح قانوني، تظل مجرد هدنة قصيرة فوق بركان طويل.

الضحية التي لا تظهر في الصورة

وسط كل هذه المشاهد، يغيب اللاعب، يغيب الناشئ، تغيب الأكاديميات، تغيب الملاعب، يبقى فقط المشهد الإداري المتكرر، وكأن كرة القدم أصبحت تدور حول الطاولات أكثر مما تدور في الميادين.

إن “الأبطال” الذين يتصدرون المشهد اليوم، بكلماتهم الكبيرة وصورهم الأنيقة، لم ينجحوا في بناء معنى حقيقي للبطولة. البطولة لا تُصنع في قاعات الاجتماعات، ولا في لقطات الاتفاق، إنما تُصنع في الملاعب، في الخطط، في العمل الصامت طويل النفس.

رسالة إلى صُنّاع الوهم

إن الجلوس أمام العدسات ليس احترامًا لدولة القانون الرياضي، حيث تكون المؤسسة أكبر من الأشخاص، والمصلحة العامة أكبر من المقاعد، حيث لا تكون المصالحة وسيلة للهروب من الاستحقاق القانوني، إنها خطوة تسبق الإصلاح الحقيقي.

إن المؤسسة التي تخشى القانون لا يمكن أن تقود رياضة، والمؤسسة التي تنتظر الخارج ليصحح أخطاء الداخل لا يمكن أن تبني مشروعًا وطنيًا.

وأهلُك العرب قالوا:

الصلح الذي لا يُصلح ما قبله… هدنةٌ قصيرة لعاصفة أطول.

وقالوا أيضًا:

ألا بلغا عني حنانيكما أمرأ
جهولًا تمادى في الضلالة والجدل
ويلبس ما قد كان حقًا بباطل
ويكتم ما قد كان من ذاك قد عقل
جواب خرافات توهم حسنها
فأبرزها تيهًا وعجبًا بما فعل

والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..