تحقيقات

صكوك الغفران الصورية… ورياء القلوب الرياضية

عدد الزيارات: 1
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

تهب علينا في هذه الساعات رياح “ليلة النصف من شعبان”، ليلة تُرفع فيها الأعمال وتُغسل فيها القلوب. وكالعادة، تضج “القروبات” والمنصات بفيض من رسائل التسامح الجاهزة، وطلب العفو من “الجميع”، في مشهد روحاني مهيب ظاهرياً، لكنه حين يمر بمختبر الواقع الرياضي، تظهر فيه مفارقات تدعو للتأمل والحزن معاً.

بالأمس شاهدنا شخصية رياضية كثيرة الجدل، قضت عامها في نسج المؤامرات، وشحن الجماهير، واختلاق الخصومات الشخصية التي تجاوزت حدود “التنافس الشريف” إلى “الفجور في الخصومة”، ثم وجدناها اليوم أول من يرسل رسالة “سامحوني” إلى الأمة كلها… إلا أولئك الذين طعنهم في ذممهم أو نال من كرامتهم الرياضية!

إن التسامح الحقيقي يا سادة ليس “منشوراً” يُعمم… إنه “موقف” يُتخذ.
ما قيمة أن تطلب الصفح من آلاف المتابعين الذين لا تربطك بهم خصومة أصلاً، وأنت لا تزال تحمل “الفأس” ضد زميل لك في المهنة، أو نادٍ منافس، أو إعلامي اختلف معك في الرأي؟
التسامح الذي لا يرى الكاميرات
هو التسامح الحقيقي؛ لأنه لا يحدث أمام العدسات، ولا في رسالة منسوخة تُرسل للجميع. إن التسامح يحدث في الخفاء… في اتصال هاتفي، في رسالة خاصة قصيرة تقول: “لقد أخطأت في حقك”… في قرار داخلي شجاع بإسقاط الأحقاد من قائمة المهام اليومية.
أما أن تُبقي خصومتك كما هي، وعداءك كما هو، وتشويهك كما هو، ثم تطلب العفو من “الناس كافة”، فهذا ليس تسامحاً… إنها محاولة لتجميل صورة مهترئة بورق لامع.
هو أشبه بمن يغسل يديه أمام الناس، ويُبقي قلبه ملوثاً بما يكفي لإفساد عامٍ كامل جديد.
نفاق الرموز… والقدوة الغائبة
الرياضة في أصلها أخلاق… أو لا تكون.
وما نشهده من تناقض عند بعض الشخصيات الرياضية التي تلبس ثوب الورع في ليلة النصف من شعبان، وهي لا تزال تمارس “اغتيال الشخصية” في الخصومة، هو نوع من النفاق الرياضي الذي يُفسد الذوق العام ويهدم قيم التآخي.
الجمهور يتعلم منكم أكثر مما تتصورون؛ يتشرب لغتكم، يقلد أساليبكم، ويبرر تعصبه بأفعالكم. وحين يرى أن من يقوده أخلاقياً يمارس الازدواجية، فإنه يتعلم أن الازدواجية فضيلة.
وهنا تبدأ الكارثة.
الاعتذار الذي يحرر صاحبه
الاعتذار ليس ضعفاً… إنه شجاعة أخلاقية نادرة.
هو اللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على غروره، ويتقدم فيها قلبه على لسانه، وضميره على صورته العامة.
وليلة النصف من شعبان ليست مناسبة للظهور بمظهر “الحمل الوديع” أمام الكاميرات، إنها دعوة صريحة لمراجعة الضمير، وفرصة لتبني “ثقافة الاعتذار المباشر” للخصوم، ودفن الأحقاد التي أورثت الوسط الرياضي شقاقاً لا ينتهي.
التسامح الحقيقي يبدأ باسمٍ واحد… لا بكلمة “الجميع”.
يا من تمطروننا برسائل التسامح اليوم: اجعلوا تسامحكم حقيقياً يبدأ بمن اختلفتم معهم في المدرجات، أو على طاولة النقاش، أو في أروقة الاتحادات.
اتصلوا بهم.
اكتبوا لهم.
قولوا لهم ما لم تقولوه طوال العام.
فالرياضة وُجدت لتجمع لا لتفرق، ولتبني جسوراً من المحبة فوق أنقاض التعصب.
دعونا في هذه الليلة المباركة نخلع قناع النفاق، ونستبدل “رسائل التسامح الإلكترونية” بـ “أفعال تسامح واقعية”. فالله لا ينظر إلى صياغة رسائلكم في “الواتساب”، إنه ينظر إلى ما استقر في قلوبكم تجاه منافسيكم.
عندما يصبح التسامح عادة لا موسماً
المشكلة ليست في رسالة التسامح إن المشكلة في موسمية الأخلاق.
أن نكون طيبين ليلةً، وخصوماً شرسين بقية العام.
أن نتصالح في فبراير، ونتخاصم في مارس.
أن نطلب الصفح في منشور، ونوزع الإساءات في التعليقات.
التسامح ليس موسماً دينياً… إنه سلوكاً يومياً.
والأخلاق لا تُؤجل لموعد سنوي.

قبل الختام

فلنجعل من هذه الليلة بدايةً لا لرسائل محفوظة، ولكن لقلوب مُراجِعة. ولنحوّل التسامح من “نص يُنسخ” إلى “خلق يُعاش”.
ولنُدرك أن أصدق طلب للعفو… هو الذي يصل إلى الشخص المعني، لا إلى قائمة البث.
إذا صافحتَ خصمك اليوم بصدق…
فقد ربحت نفسك قبل أن تربح وده.
واهلك العرب قالوا:

يخاصم يوم ويرجع يوم ويعذبنا بريده
ويتحدانا يوم يذعل تقول أقدارنا في ايده
نقول ياريتو لو يعرف عذاب الحب وتنهيده
وبدل ما نحنا بنتعاتب بنفرح يوم يعاتبنا
ونسأل عنه كان طول وما هاميه كان غبنا
حرام ترمينا للأيام حنانك يا معذبنا
نلحف قلبك القاسي بكل حنان مودتنا

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..