ذبح الأمانة في رابعة النهار

أبو بكر الطيب
في تجاويف الصمت أحياناً، تولد كلماتٌ أشدُّ فصاحةً من كلمات الخُطب. واليوم، نقف وسط الرياح، لنكتب بدافع الصدمة؛ فالمداد حاضر، ولكن الثوابت التي ظنناها حصوناً لا تُهدم هي التي هدمت.
الجميع يطلب لرياضتنا الاستقرار والتعافي من امراض الانانية والمحاباة والطمأنينةً المؤسسيةً ليكون فيها القانون سقفاً يستظل به الجميع بلا استثناء. الجميع يريد فتح نافذة الشك على يقين العدالة، فإذا بالجميع يصطدم برياح الترضيات التي لا تعبأ إلا بمصالح آنية، ولو كان الثمن ذبح أمانة التكليف في وضح النهار.
لقد صدر قرار لجنة تطبيع اتحاد الخرطوم بقبول ما سُمي بـ”إعادة الفحص” لطلب نادي الشعلة، بعد أن كان قد رُفض بقرارٍ نهائي. وهنا السؤال الذي لا مهرب منه: كيف يُعاد فتح ملف أُغلق بسندٍ لائحي؟ وكيف يستقيم استقرار المراكز القانونية إذا أصبح القرار النهائي مجرد محطة قابلة لإعادة النظر فيه دون نص يجيز ذلك؟
إن القضية ليست إجراءً إدارياً ولكنها مسألة قانونية تمس جوهر الحوكمة. فإعادة النظر دون نص صريح، تُضعف الثقة في اللوائح، وتفتح باب الاجتهاد غير المنضبط، وتجعل القانون تابعاً للرغبات لا مرجعاً لها.
ثم تأتي المسألة الأخطر: العدالة الإجرائية.
إن نظام المجموعات (أمدرمان – الخرطوم – بحري) هو تقسيمًا عرفياً والالتزام به ملزما أدبياً ، في صيغة توافقية ضمنت لسنوات تكافؤ الفرص في الصعود والهبوط. أما القفز فوق هذا الترتيب يعتبر مساسٌ ببنية المنافسة ذاتها.
وهنا نضع النقاط على الحروف حتى لا يختلط المقصد:
لسنا في خصومة مع نادي الشعلة، ولن نكون. فمن حق أي مجلس إدارة أن يسعى بكل الوسائل المشروعة لتحقيق مصلحة ناديه. الاعتراض ليس على من طلب، ولكن على الجهة التي استجابت خارج إطار النص.
وقاعدتنا الذهبية التي لا نحيد عنها تقول:
إن كان ما صدر فيه خيراً فليعم، ولا يُخصّ.
فالعدالة لا تكون بتوزيع المنح على المقربين، ولكن بتعميم الحقوق على الجميع وفق ذات الضوابط. فإن رأت اللجنة أن ثمة باباً جديداً فُتح، فليُفتح للكافة دون استثناء. وإن كان ثمة استثناء، فليُعلن كقاعدة عامة لا كحالة مفردة. أما أن يُفصَّل القرار على مقاس نادٍ بعينه، ويُغلق الباب أمام الآخرين، فذلك ما يزرع الغبن ويقوّض الثقة.
لقد ناضلنا طويلاً من أجل استقلالية اتحاد الخرطوم، واحتفل البعض بعودة المؤسسية، ظننا منهم أنهم دخلوا عهد الحوكمة الرشيدة. لكن المؤسسية لا تُقاس بالقرارات الخاطئة ولكن بقدرة الإدارة على التمسك بالنص عندما يكون مكلفاً، وعلى تعميم الخير حين يكون متاحاً.
إن ما يحدث هو اختبار حقيقي لمدى احترامنا لمبدأ سيادة القانون. فإن صُنعت سابقة اليوم خارج النص، فستتحول غداً إلى قاعدة تُستدعى كلما اقتضت المصلحة. وتكون سنّة يهتدي بها اللاحقون ومقياساً في الحكم
ومن الطبيعي ان لن يسكت المتضررين وكل سيسلك الطرق القانونية كافة، لا انتصاراً لنادٍ على آخر، ولكن انتصاراً لميزانٍ يجب أن يبقى مستقيماً. فالجميع مع عدالة القانون، ومع توزيع الحقوق للجميع دون انتقاص أو محاباة.
واهلك العرب قالوا:
العدل قوام الأمور، وإن جار الميزان اختلّ البناء.”
فالخير إذا عُمِّم ثبت، وإذا خُصِّص بغير حقٍ انقلب شراً على أصحابه
لا جريمة تعيش في الخفاء، لكن اختلال القانون يمنحها الحياة
والله المستعان
