وسط الرياح

المريخ وكتب التاريخ

عدد الزيارات: 5

أبو بكر الطيب

التاريخ لا يُخلَّد المعارك لأن أحد الطرفين كان أكثر عتاداً، وإنما لأن طرفاً ما آمن بقضيته أكثر فتسلح بالعزيمة والإصرار
هكذا حدث في ليلة القمة؛ عندما وقف المريخ أمام الهلال، لا بعدّة الاستقرار، وإنما بعدّة الإرادة والعزيمة
كان المشهد أشبه بحكايات الفتية الذين خرجوا بقلوبهم قبل سيوفهم، أو كما تُروى قصة طارق بن زياد حين أحرق السفن ليقول لجنوده: “البحر من ورائكم، والعدو أمامكم.”
لم يحرق المريخ سفناً، لكنه أحرق التردد وقاد الهجوم
دخل المباراة بإصرار الأبطال وبدأ الهجوم بلا إنتظار، وكأنه يقول: “إما أن نولد الآن… أو لا نولد أبداً.”
الهلال جاء مستقراً، متماسك الخطوط، كقلعةٍ قديمة مشيدة بإتقان تسر الناظرين
والمريخ جاء كريح عاتية تعرف أن مهمتها هدم القلعة، والبحث عن نافذة الضوء.
وفي تفاصيل التفاصيل، وُلد الفرق.
بين داود وجالوت… ولكن بربطة عنق!
وهنا نكتب بروح كرة القدم وبروح الربطة الأنيقة.
الهلال لم يكن جالوت ضعفاً أو غروراً، وإنما كان فريقاً في قمة استقراره، واثقاً من أدواته.
غير أن المريخ حمل حجراً مختلفاً:
حجر الإيمان بالفكرة.
في لحظة الهدف، كان الأمر تسديدة، بأن البناء لا يحتاج إلى سنوات إذا امتلك شجاعة البدايات.
وكأن الفريق يقول: “لسنا مشروعاً مؤجلاً… نحن وعدٌ قرر أن يتحقق باكراً.”
داركو… مهندس لا يرفع صوته
في الروايات الكبرى، لا يظهر القائد دائماً صارخاً في الصفوف الأمامية.
أحياناً يكون هادئاً، يرسم خطته كما يرسم الخطاط حرفاً في مصحف قديم.
المدرب داركو نوفيتش بدا كمن يدير معركة شطرنج لا سباق عواطف.
لم يبالِ بضجيج الخارج، ولكن انشغل بضبط الإيقاع.
وعندما اكتملت الجملة التكتيكية، جاء الهدف كنقطة في نهاية سطرٍ طويل من الانضباط.
الهلال… الخصم الذي يُجمّل الانتصار فأجمل الانتصارات عندما تكون ضد الهلال
ولأننا نكتب بأخلاق المنتصر، نقولها صراحة:
الهلال كبير، واستقراره الفني ليس وهماً.
لكنه في هذه الليلة، بدا كفارسٍ جاء إلى الساحة متيقناً من تفوقه، ففوجئ بأن خصمه لا يخاف الهيبة ولا يهمه الاستقرار
لم يكن في الأمر سقوطٌ أزرق، ولكن صعودٌ أحمر.
وهذا فرقٌ في الحقيقة … قبل أن يكون فرقاً في النتيجة.
رمضان… المعركة التي تُخاض في الداخل
وفي أولى ليالي رمضان، كان في المشهد بعدٌ رمزي.
كما ينتصر الصائم على رغباته في صمت، انتصر المريخ على رهبة الظروف دون صراخ .
رمضان يعلمنا أن أعظم المعارك ليست في الخارج، وإنما في الداخل.
والمريخ كسب معركته الداخلية أولاً؛
كسب خوف البدايات،
وتردد التغيير،
ووسوسة المقارنات.
ثم كسب المباراة.
سخرية الكبار… ابتسامة لا جرح فيها
أجمل ما في هذا الفوز أنه لا يحتاج إلى شماتة.
فالانتصارات الصغيرة تصرخ، أما الانتصارات الكبيرة فتبتسم.
لو أردنا السخرية، فلتكن على طريقة العظماء والفلاسفة :
نقول إن حسابات الجمهور كانت دقيقة…
لكنها نسيت أن تضيف بنداً صغيراً اسمه “قلب المريخ”.
نقول إن الاستقرار مهم…
لكن الريح أحياناً تُعلّم الأشجار كيف تقف أكثر صلابة.
لوحة أخيرة
القمة ليست عداوة أنها ساحة تنافس وقصيدة احلى من عصيدة رمضان .
والمريخ في هذه الليلة كتب بيتاً جميلاً في ديوانها.
لا يُسقط الهلال من مكانته،
وإنما يثبت أن العرش لا يُحفظ إلا بالمنافسة.
اليوم يفرح الأحمر،
وغداً قد يرد الأزرق،
وهكذا تبقى القمة حيّة، متجددة، لا تموت بالرتابة.

 وأهلك العرب قالوا:

إذا اشتدّ العود في الريح،
علمتَ أن جذوره عميقة.”
وفي ريح القمة،
ثبت المريخ جذوره…
وترك للريح أن تحكي الحكاية.
دا الجاني منك ومن تباريح الهوى
وصفو بصعب يا جميل
وبعدت عنك ولما طال بي النوى
بقى لي أسيبك مستحيل
بشكي ليكم يا مظاليم الهوى
أصلي مجروح مرتين
يمكن ألقى الزيي فيكم
ضاق جراح الحب ومتعذب تشفع

      والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..