استقلالية مقاس المصلحة؟
أبو بكر الطيب
لسنواتٍ طويلة، ظلَّ الخطاب السائد في أروقة الرياضة السودانية يرتكز على شعار واحد:
“لا للتدخل الحكومي… استقلالية الحركة الرياضية خط أحمر.”
وكان يُستشهد بلوائح FIFA،
وتُرفع مواد النظام الأساسي كراية،
ويُتهم كل من يلجأ إلى المحكمة الإدارية بأنه يفتح باب “الطرف الثالث”.
إن مجرد ذكر وزارة الشباب والرياضة كان يُقدَّم أحياناً كخطر داهم على شرعية الاتحاد.
وكنا — ولا زلنا — نوضح أن القضاء الإداري ليس طرفاً سياسياً،
وإنما جهة اختصاص قانوني تنظر في مشروعية القرار،
وأن العلاقة بين الوزارة والاتحادات ليست علاقة وصاية، بل علاقة تنظيم وفق القانون الوطني.
لكن…
عندما تغيّرت موازين المصالح،
وتقاطعت المنافع،
وتبدلت المواقع،
سقط الخطاب القديم فجأة.
ماذا نسمي هذا؟
إذا كانت الاستقلالية مبدأ،
فهي تُحترم في جميع الأحوال.
أما إذا كانت تُستدعى عندما تُهدد المصلحة،
وتُنسى عندما تخدمها،
فهذا لا يسمى دفاعاً عن الاستقلالية.
يسمى ازدواجية معيار.
يسمى تسييس المبدأ.
يسمى استقلالية انتقائية.
بين النص والهوى
لوائح FIFA تتحدث عن منع التدخل الحكومي الذي يؤثر على القرار الانتخابي أو الإداري بشكل مباشر.
لكنها لا تمنع وجود إطار قانوني وطني ينظم العلاقة،
ولا تلغي حق التقاضي أمام جهة قضائية مختصة.
الفارق كبير بين:
• تدخل سياسي لفرض قرار
و
• رقابة قانونية لضبط قرار
لكن عندما تختلط المصالح، يُخلط بين الاثنين عمداً.
المحكمة… حين تصبح شماعة
المحكمة الإدارية ليست خصماً رياضياً،
وليست نادياً منافساً،
وليست جهة انتخابية.
هي جهة قانون تنظر في مدى مشروعية القرار.
فكيف كانت بالأمس “تدخلاً حكومياً”،
وأصبحت اليوم “ملاذاً آمناً”؟
كيف كان التقارب مع الوزارة يُوصف بالخطر،
وأصبح الآن مصدر قوة ونفوذ؟
المبدأ لا يتغير بتغير الموقع.
الذي يتغير هو الموقف.
أخطر من التناقض… فقدان الثقة
عندما يرى الوسط الرياضي هذا التحول،
يفقد ثقته في الخطاب.
ليس لأنه ضد الوزارة،
ولا لأنه مع التدخل،
ولأنه يرى أن المعيار لم يعد ثابتاً.
والمنظومة التي تفقد ثبات معيارها،
تفقد احترامها.
إذن ماذا نسميه؟
نسميه:
• ازدواجية في تطبيق مبدأ الاستقلالية
• توظيفاً سياسياً لشعار قانوني
• أو — بلغة أوضح — براغماتية مفرطة على حساب الثوابت
وهي أخطر من التدخل نفسه.
لأن التدخل الخارجي يُواجه بنص،
أما الانحراف الداخلي فيُواجه بالضمير.
سؤال “وسط الرياح”
هل نريد استقلالية حقيقية،
أم استقلالية موسمية؟
هل نريد علاقة واضحة بين الوزارة والاتحاد،
أم علاقة تُدار بحسب اتجاه الريح؟
إن الاستقلالية لا تعني القطيعة،
ولا تعني العداء،
ولكن تعني وضوح الاختصاص، واحترام الحدود، وثبات المبدأ.
وأهلك العرب قالوا:
المكيال إن اختلفت كفّته… ضاع الوزن.”
ومن جعل المبدأ تابعاً لمصلحته،
صار أسير مصلحته.
فالعدل لا يُفصَّل على المقاس،
والاستقلالية لا تُلبس عند الحاجة وتُخلع عند الفائدة.
والقول قول العارفينا.
والله المستعان



