وسط الرياح

فلترة القيادة الرياضية مسؤولية وطنية

عدد الزيارات: 5
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

الرياضة ليست ملعبًا فحسب، وليست مدرجًا يهتف أو إدارة توقع شيكات؛ إنها مدرسة أخلاقية كبرى، ومنصة لصناعة القدوة، ومساحة وطنية جامعة تتشكل فيها شخصية الشباب. وحين نضع هذا المعنى في موضعه الصحيح، يصبح السؤال عن “من يقود؟” سؤالًا وطنيًا بامتياز، لا شأنًا داخليًا لاتحاد أو نادٍ.

إن المناصب القيادية في المؤسسات الرياضية ليست مقاعد شرفية، ولا مكافآت ترضية، ولا واجهات اجتماعية. هي مواقع تأثير مباشر على أهم شريحة في المجتمع: شريحة الشباب. ومن هنا، فإن فلترة القيادة الرياضية ليست إجراءً إداريًا عابرًا، لكنها مسؤولية وطنية متكاملة الأبعاد.

الكفاءة أولاً… لأن الإدارة علم لا وجاهة
الإدارة الحديثة علم قائم بذاته، له أدواته ومنهجه ومعاييره. فلا يكفي أن يكون الشخص معروفًا أو صاحب حضور اجتماعي، ولكن المطلوب تأهيل مهني وعلمي يثبت قدرته على التخطيط، وإدارة الموارد، وصنع القرار الرشيد.
كم من مؤسسة رياضية تعثرت لا بسبب قلة المال، وإنما بسبب غياب الرؤية؟ وكم من مشروع شبابي انهار لأن من يقوده لم يكن يملك من أدوات الإدارة إلا الحماس والشعارات؟

إن ترك المؤسسات الرياضية دون اشتراط حد أدنى من التأهيل الإداري يشبه تسليم مقود طائرة لمن لم يدخل مدرسة طيران.
الصحيفة الأمنية… شرط الثقة قبل المنصب
عندما نتحدث عن الصحيفة الجنائية (الفيش والتشبيه)، فنحن لا نفتش في الماضي بدافع التشهير، ولكن نبحث عن معيار الثقة.
فمن يقود شبابًا ويملك صلاحيات مالية وإدارية يجب أن يكون سجله خاليًا من السوابق التي تمس الشرف أو الأمانة أو النزاهة.
السؤال هنا مشروع ومباشر:
هل توجد آلية ملزمة تفرض على كل من يتقلد منصبًا رياضيًا قياديًا أن يقدم ما يثبت خلو صحيفته من الموانع القانونية؟
وهل تقوم الجهات ذات الصلة بمراجعة دقيقة قبل تمكينه من المنصب؟
إن المنصب الرياضي ليس حصانة اجتماعية، ولا مظلة تُخفي ما ينبغي كشفه.
تضارب المصالح… الخطر الصامت
من أخطر ما يهدد نزاهة العمل الرياضي أن يتحول المنصب إلى غطاء لأجندات أخرى: تجارية، سياسية، أو شخصية.
تضارب المصالح لا يُكتشف بالصدفة، ولكن يُمنع بوضع لوائح واضحة تُلزم القيادات بالإفصاح الكامل عن مصالحهم وأعمالهم وعلاقاتهم.
غياب هذا المبدأ يفتح الباب لاستخدام الرياضة كمنصة عبور لمشاريع لا علاقة لها بخدمة الشباب.
أين دور الجهات الرقابية؟
لسنا هنا في مقام اتهام، ولكن في مقام تساؤل إصلاحي:
هل توجد منظومة فحص وتدقيق قبل اعتماد القيادات الرياضية؟
وهل تخضع هذه المؤسسات لمراجعة دورية من الجهات المختصة للتأكد من سلامة الإجراءات؟
إن حماية عقول وأخلاق شبابنا تبدأ من حماية المؤسسات التي تؤثر فيهم. وأي تساهل في معايير الاختيار هو تساهل في مستقبل جيل كامل.
القضية ليست أشخاصًا…القضية معايير
نحن لا نستقصد أحد بعينه ولكن نكتب من أجل مبدأ:
والمبدأ يقول يجب أن تكون القيادة الرياضية مستحقة لا متاحة، وأن يكون المنصب تكليفًا مشروطًا بالكفاءة والنزاهة، لا تشريفًا مفتوحًا بلا ضوابط.
فلترة القيادة الرياضية ليست مطلب ثانويا لكنه مبدأ تنظيميًا، وصمام أمان وطني.
وإن كانت الدولة تحرص على تدقيق ملفات من يتولون مواقع حساسة في مؤسساتها، فإن الوسط الرياضي أولى بذلك، لأنه يتعامل مع وعي الشباب وقيمهم.
هذه ليست صرخة غضب، ولكن نداء مسؤول.
وهو ملف سنفتحه حلقةً بعد أخرى، حتى يصبح الحديث عن المعايير ثقافة عامة، لا مطلبًا موسميًا.
واهلك العرب قالوا:
من وُلّي أمر الناس فليكن نظيف اليد والقلب، فإن فساد الرأس يفسد الجسد، وإن صلح القائد صلح المسير.
والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..