قاعدة القانون قبل الاستثناء

أبو بكر الطيب
لم يعد في كرة القدم الحديثة ما يُسمى بـ«المجال الرمادي». اللعبة التي بدأت هوايةً شعبية أصبحت صناعةً عالمية تحكمها لوائح دقيقة وأنظمة رقمية لا تعرف المجاملة.
منذ أن أرسى FIFA منظومته التشريعية — من لوائح أوضاع وانتقالات اللاعبين (RSTP) إلى النظام التأديبي — لم يعد الامتثال خياراً إدارياً، ولكنه التزاماً قانونياً ملزماً لكل اتحاد وطني.
وفي صميم هذه المنظومة تقف عقوبة واضحة وصريحة:
Registration Ban — منع التسجيل.
هذه ليست عبارة إعلامية، وإنما إجراء قانوني يُفرض على الأندية التي تتخلف عن سداد مستحقات، أو تمتنع عن تنفيذ قرارات صادرة عن الجهات القضائية المختصة داخل الفيفا.
وعند صدور العقوبة، يُدرج النادي في النظام الرقمي الدولي، ويُمنع من تسجيل لاعبين جدد خلال فترات التسجيل المحددة.
ويُنفذ ذلك عبر FIFA Transfer Matching System (TMS)، وهو النظام الموحد الذي يربط كل الاتحادات الوطنية مباشرة بالمنظومة الدولية.
هنا لا مجال للاجتهاد.
من المسؤول؟
الرسالة هنا مزدوجة، ولكنها واضحة:
أولاً: إلى الاتحاد
أنتم الجهة المنفذة، وأنتم من يملك مفتاح الامتثال.
أي تسجيل يتم بالمخالفة لنطاق حظر دولي لا يُعد خطأ نادٍ فحسب، إنه إخلالاً بواجب الاتحاد في تنفيذ اللوائح الملزمة.
فتح باب التسجيل في ظل التزامات دولية غير منفذة ليس مرونة إدارية، إنها مجازفة قانونية قد تضع الاتحاد نفسه تحت طائلة المساءلة.
ثانياً: إلى الأندية
لا تراهنوا على ثغرات إجرائية.
النادي الذي يُسجّل لاعباً خلافاً للوائح قد يجد نفسه لاحقاً أمام نزاع دولي، أو حكم تعويضي، أو عقوبة إضافية.
المغامرة قد تكسب مباراة… لكنها قد تُكلف موسماً كاملاً.
التسجيل المحلي لا يصنع شرعية دولية
تسجيل لاعب في النظام المحلي لا يُلغي أثر قرار دولي.
إذا كان الحظر قائماً، فإن الامتثال واجب.
التحايل لا يصنع شرعية،
والالتفاف لا يُسقط القرار.
كرة القدم اليوم تُدار بأنظمة رقمية مرتبطة مباشرة بمقر الفيفا في زيورخ، وكل إجراء يترك أثراً لا يُمحى.
القاعدة هي القانون
في كرة القدم الحديثة، القاعدة هي القانون.
والاستثناء لا يُمنح بالاجتهاد المحلي، وإنما بنص صريح من الجهة المختصة.
ربط أداء الاتحاد السوداني لكرة القدم بالمعايير الدولية ليس تشدداً، إنه ضرورة لحماية الأندية من أزمات أكبر، ولإعادة اللعبة إلى مسار الاحتراف الحقيقي.
فاللعبة التي نريدها نظيفة داخل الملعب، يجب أن تكون نظيفة خارجه أولاً.
واهلك العرب قالوا:
من ظن أن القانون يُكسر لأجله، كُسر هو به،
ومن بنى أمره على الاستثناء، هدمته القاعدة.”
وفي زمن الأنظمة الرقمية التي لا تنام،
لن يحمي أحدٌ أحداً من أثر المخالفة…
فالملف يُفتح بضغطة زر،
والحقيقة تُكتب بسجل لا يُمحى.
والله المستعان
