تحقيقات

منهج التجاهل

عدد الزيارات: 4
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

ليس جديداً ما نراه اليوم.
وليس مفاجئاً ما يتصدر العناوين كل صباح.
الجديد فقط هو درجة التبلّد التي أصبحنا نستقبل بها الأزمات، وكأننا اعتدنا أن تكون الرياضة السودانية ساحة نزاع دائم لا ساحة تنافس شريف.
لقد تحدثنا كثيراً — وربما أكثر مما ينبغي — عن تضارب المصالح، وعن قرارات لجان تُثير الجدل، وعن نزاعات تصعد من محيطها المحلي إلى منصات أعلى، وعن تسجيلات، واعتراضات، وشكاوى، وملفات لا تكاد تُغلق حتى تُفتح من جديد.
لكن ما يحدث الآن من حوادث لا تنفصل عن بعضها البعض فهي امتداد طبيعي لمسار طويل من الإخفاق في إدارة الخلافات.
عندما تتكرر الوقائع، لا يعود الأمر خطأً وارد يمكن تداركه .
وعندما تتشابه الأنماط، لا يعود التفسير مقنعاً بأنه “سوء تقدير . وإنما يصبح السؤال أكثر عمقاً:
هل نحن أمام خلل إداري عادي يمكن بلعه ؟
أم أمام عقلية ترى في الصمت وسيلة لإطفاء الحرائق حتى لو اشتعلت تحت الرماد؟
ذاكرة لا تنسى
منذ سنوات، والوسط الرياضي يعيش على إيقاع أزمات متتالية:
نزاعات انتخابية،
طعون قانونية،
خلافات حول لوائح،
شكاوى تتهم لجاناً بعدم الحياد،
وأندية تشعر بأن حقوقها تُهضم أو تُؤجل أو تُدار ببرود لا يليق بمؤسسة وطنية.
لم يكن النقد حينها رغبة في التصعيد،
وإنما كان محاولة مبكرة لتصحيح المسار.
لكن يبدو أن مجلس الاتحاد اختار الجلوس في منطقة لا يصلها صوت الإصلاح، ولا يتردد فيها صدى التحذير.
والأخطر والاسوأ من الخطأ… هو الاعتياد عليه.
البرود الإداري… عندما يصبح رسالة
في إدارة الأزمات، هناك من يتحرك سريعاً لاحتواء الضرر،
وهناك من يراهن على عامل الزمن.
لكن الزمن لا يعالج فقدان الثقة،
ولا يمحو شعور الأندية بالتهميش،
ولا يُقنع الجمهور بأن الأمور بخير.
عندما يسود الصمت أمام تساؤلات مشروعة،
وعندما يُقابل النقد بالتجاهل،
فإن الرسالة التي تصل إلى القاعدة الرياضية ليست رسالة طمأنة، إنها رسالة استعلاء.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن التجاهل المتكرر قد لا يكون عجزاً،
وإنما قد يُفهم — بحق أو بغير حق — على أنه خطة لتمرير الوقائع حتى تفقد قيمتها مع الوقت.
وهضم الحقوق لا يحتاج دائماً إلى قرار صريح؛ أحياناً يكفي تأجيلها حتى تبهت وتتلاشى
بين المؤسسة والمجموعة
المؤسسة الوطنية تُدار بروح الدولة،
لا بروح المجموعة.
القرار فيها يُبنى على لائحة،
لا على توازنات.
والقانون فيها يُطبّق بصرامة على الجميع،
لا بمرونة انتقائية.
إذا شعر أي طرف أن العدالة نسبية،
فقدنا جوهر المنافسة.
وإذا تراكمت القضايا دون مراجعة جذرية،
فنحن لا نؤجل المشكلة… وإنما نضخمها.
السنوات القادمة… اختبار لا مهلة
ما تبقى من عمر هذه الدورة ليس رقماً في التقويم، إنه مسؤولية تاريخية.
السنوات القادمة إما أن تكون مرحلة إصلاح حقيقي يعيد الثقة ويضبط المسار،
أو أن تتحول إلى امتداد لنمط أنهك الوسط الرياضي وأرهق سمعته.
الرياضة السودانية لا تتحمل أربع سنوات أخرى من التجريب،
ولا مزيداً من الصراعات التي تستنزف الأندية مالياً ومعنوياً،
ولا حالة احتقان تجعل كل قرار موضع شك قبل أن يُقرأ.
الإصلاح ليس شعاراً يُرفع في البيانات،
إنما هو إرادة تُثبتها الأفعال:
شفافية في القرارات،
إتاحة للمعلومات،
حسم لتضارب المصالح،
ومحاسبة داخلية قبل أن تُفرض مساءلة خارجية.

وقبل الختام :—

نحن منحازون فقط لفكرة أن الرياضة أكبر من الأفراد،
وأن المؤسسة إذا لم تُراجع نفسها من الداخل،
فرض الواقع عليها مراجعة قاسية من الخارج.
التاريخ لا يذكر كم جلس المسؤول في مقعده،
وإنما يذكر ماذا فعل وهو فيه.

واهلك العرب قالوا:

من اعتاد تجاهل الصوت،
أيقظه الصدى يوماً على حين غفلة.”
فالرياح التي نحذر منها اليوم،
قد تتحول غداً إلى عاصفة،
ولا ينجو منها إلا من شدّ بنيانه على أساس العدل.
وحد السيف يرضينا جميعاً
ويحكم بينكم عدلاً وبيني
جهلتم يا بني الأنذال قدري
وقد عرفته أهل الخافقين
إن السباع لتهدأ في مرابضها وإتحادنا ليس بهادٍ شرهم أبدا

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..