إدارة المكاتب تهزم عرق الملاعب

أبو بكر الطيب
تمرُّ بكيان نادي المريخ هذه الأيام ريحٌ عاتية، لكنها – ويا للمفارقة – لا تهب من مدرجات المنافسين، ولا من أقدام اللاعبين، وإنما من داخل المكاتب التي كان يُفترض أن تكون الحصن الحصين لعرق الملعب وتطلعات الجماهير. ومع اقتراب موعد الإعلان عن التجديد للجنة التسيير، يقف شعب المريخ أمام أسئلة موجعة لا تقبل المسكنات، ولا تحتمل بيانات العلاقات العامة.
إن المشكلة لم تكن فنية فهي إدارية بامتياز حتى يكون الأمر واضحا
أولاً: نزيف النقاط… طعنة في خاصرة التميز والإبداع
أن يخسر المريخ مباراةً داخل المستطيل الأخضر، فذلك وجهٌ من وجوه اللعبة؛ فالهزيمة جزء من المنافسة.
لكن أن تُسحب النقاط من رصيد الفريق بسبب أخطاء إدارية، أو تقصير في متابعة لوائح وإجراءات، فهنا لا نتحدث عن خسارة… وإنما نتحدث عن “جريمة إهمال”.
النقطة في زمن المنافسة الحديثة ليست مجرد رقم، إنها هي بطولة مؤجلة أو حلم مؤجل. والإخفاق الإداري الأخير لم يكن هفوة صغيرة ولكن كشف عن ثغرة خطيرة في المنظومة القانونية والإجرائية داخل النادي. وتحديدا في المكتب التنفيذي
من يُراجع؟
من يُدقق؟
ومن يتحمل المسؤولية؟
لا يمكن لكيان بحجم المريخ أن يكون “خارج التغطية” في ملفات يفترض أنها من صميم عمل الإدارة التنفيذية. فالتسيير ليس مجرد توقيع خطابات، التسيير من المفترض أن تكون منظومة رقابة ومتابعة واستباق للأزمات قبل وقوعها.
ثانياً: المريخ والاتحاد… سياسة الانكفاء الضارة
في علاقته مع الاتحاد السوداني لكرة القدم، اختارت لجنة التسيير – للأسف – سياسة “الانكفاء”.
تركت الساحة شاغرة، وابتعدت عن مراكز التأثير، وابتعدت عن الاشتباك القانوني المنظم في قضايا تمس صميم حقوق النادي. والنتيجة؟ قرارات تُمرَّر، وحقوق تُهدر، وأزمات تتراكم.
المريخ ليس ناديًا هامشيًا ينتظر الفُتات؛ هو عملاق تاريخي، وجزء أصيل من معادلة الكرة السودانية.
فكيف يُعقل أن يغيب صوته في لحظات الحسم؟
وكيف نقبل أن يتحول من صانع قرار إلى متلقٍ له؟
المرحلة القادمة تحتاج إدارة تملك “أنيابًا قانونية” حقيقية، تعرف كيف تُفاوض، وكيف تُصعّد، وكيف تستخدم أدوات اللوائح والدبلوماسية الرياضية لصالح النادي، لا أن تنتظر الفرج وتكتفي بالمشاهد
ثالثاً: التجديد للجنة…
شيك على بياض أم تفويض مشروط؟
إذا كان خيار التجديد للجنة التسيير هو خيار الضرورة، فليكن تفويضًا مشروطًا لا صكًّا مفتوحًا.
المطلوب ليس تبديل أسماء بقدر ما هو إصلاح بنية.
هيكلة واضحة، توزيع اختصاصات، تفعيل مكتب قانوني محترف، لجنة متابعة للمنافسات، إدارة إعلامية هجومية لا دفاعية.
الصفوة ؛ تطلب فقط إدارة بحجم القميص الذي ترتديه.
فمن يجلس على مقعد المريخ يجب أن يدرك أن المقعد ليس وجاهة اجتماعية، ولكنه مسؤولية يومية تبدأ قبل صافرة البداية ولا تنتهي بعدها.
رابعاً: ميزان العدالة المريخية
الهجمة الإعلامية التي يتعرض لها النادي اليوم ليست وليدة فراغ.
الفراغ الإداري يصنع فراغًا إعلاميًا، والفراغ الإعلامي يفتح الباب لكل تأويل.
المريخ يحتاج إلى غرفة إعلامية قوية، لا تنتظر الهجوم لترد، ولكن تبادر، وتشرح، وتوثّق، وتدافع بالحجة لا بالعاطفة.
كما يحتاج إلى منظومة قانونية جاهزة، تردع أي محاولة للنيل من حقوقه داخل وخارج الملعب.
هيبة النادي لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بالفعل المنظم.
والعدالة في الوسط الرياضي لا تُمنح… ولكن تُنتزع انتزاعًا.
وقبل الختام. :—
العمل في المريخ تكليف لا تشريف.
ومن لا يملك القدرة على حماية نقاط الفريق في المكاتب، كما يحميها اللاعبون بعرقهم في الملعب، فليفسح الطريق لمن يملك الجرأة والكفاءة.
المريخ لا يعيش على أمجاد الأمس، ولكن يصنع حاضره كل يوم.
وإن لم تتدارك الإدارة أخطاءها، فسيكتب التاريخ أن فرصةً ذهبية ضاعت بسبب إهمالٍ لم يكن له ما يبرره.
المريخ أكبر من لجنة، وأبقى من إدارة، وأخلد من مرحلة.
فإما أن نكون في القمة تنظيمًا كما نحن في القمة جماهيرًا،
أو نترك الريح تعصف بما تبقى من هيبة.
واهلك العرب قالوا:
الدار التي لا يُحسن أهلها حراستها… يدخلها الغريب بلا استئذان
إن الشق أوسع من الرقعة يا تسيير
وإن احر ما عندنا أبرد ما عندكم
والله المستعان
