وسط الرياح

بسقوط الأصل… تسقط الفروع

عدد الزيارات: 0
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

لم تعد قضية اتحاد الخرطوم المحلي مجرد نزاع إداري بين أطراف رياضية متباينة الرؤى، وإنما تحولت ـ عبر مسارها الطويل ـ إلى اختبار حقيقي لمفهوم الشرعية القانونية في الرياضة السودانية:
هل تُبنى المؤسسات على القانون؟
أم على قرارات ظرفية تصدرها مراكز نفوذ مؤقتة؟
واليوم، وبعد أن اكتملت حلقات التقاضي، وانكشفت الوقائع تباعًا، أصبح من الضروري وضع الحقيقة القانونية مجردة على البلاط.

أولًا: القاعدة القانونية الحاكمة
القانون الإداري — في السودان وفي كل الأنظمة المقارنة — يقوم على مبدأ بسيط وحاسم:
ما بُني على باطل فهو باطل.
وهو مبدأ لا يقبل التجزئة ولا التفسير الانتقائي.
فإذا ثبت بطلان القرار الأصلي، فإن:
• كل ما ترتب عليه،
• وكل ما صدر استنادًا إليه،
• وكل لجنة أو إجراء نتج عنه،
يُعد منعدمًا قانونًا، وليس فقط قابلًا للإلغاء.
وهنا تحديدًا يكمن جوهر القضية.

ثانيًا: لجنة التطبيع الأولى… انعدام السند القانوني
لجنة التطبيع التي قام الاتحاد السوداني لكرة القدم بتعيينها نشأت ابتداءً خارج الاختصاص القانوني الصحيح، لأن:

  1. الاتحاد السوداني يملك سلطة فنية وتنظيمية للمنافسات.
  2. لكنه لا يملك سلطة إنشاء أو تكوين شخصية اعتبارية لاتحاد محلي.
  3. الاتحادات المحلية تستمد وجودها القانوني من:
    • التسجيل لدى المفوضية،
    • القانون الوطني،
    • جمعيتها العمومية.
    وبالتالي فإن قرار التعيين صدر من جهة لا تملك ولاية التأسيس الإداري.
    وهنا لا نتحدث عن خطأ إجرائي…
    ولكن عن عيب اختصاص جسيم يجعل القرار معدومًا.

ثالثًا: سقوط الامتداد القانوني
البعض حاول الترويج لفكرة أن اللجان اللاحقة تمثل «امتدادًا إداريًا» للجنة السابقة في قراراتها المتخذة.
وهذا طرح يسقط قانونًا لسببين:

1/ لا امتداد لقرار باطل
واللجنة الثانية لا تستطيع أن ترث شرعية لجنة أولى ثبت بطلان أساسها.
فالامتداد القانوني يفترض وجود أصل صحيح،
أما إذا سقط الأصل — فلا يوجد ما يُمدَّد أصلًا.

2/ ازدواج جهة التعيين
نحن أمام وضع غير مسبوق:
• لجنة معينة بواسطة الاتحاد السوداني (فاقدة للاختصاص).
• لجنة أخرى مرتبطة بقرار أوقفه حكم قضائي.
أي أننا أمام لجنتين:
• إحداهما باطلة بنص القانون،
• والأخرى موقوفة بحكم القضاء.
وهنا يصل المشهد إلى حالة يسميها فقه القانون الإداري:
الانعدام المركب للشرعية.
أي غياب أي سند قانوني صالح للاستمرار.

رابعًا: أثر الحكم القضائي
الحكم القضائي لا يوقف الأشخاص فقط، وإنما يوقف الآثار القانونية المترتبة على القرار.
بمعنى واضح:
• كل القرارات الصادرة أثناء سريان القرار الموقوف،
• وكل التصرفات الإدارية الناتجة عنه،
تفقد قوتها التنفيذية تلقائيًا.
فالقضاء عندما يتدخل، فإنه يعيد الحالة القانونية إلى ما كانت عليه قبل القرار المطعون فيه.

خامسًا: الحقيقة التي حاول البعض تأجيلها
ما انتهت إليه القضية اليوم يؤكد أمرًا ظللنا نقوله منذ البداية:
الأزمة لم تكن صراع لوائح…
وإنما صراع تفسير القانون وفق المصلحة.
فالجهات التي رفضت سلطة المفوضية بالأمس، عادت لتطلب حمايتها اليوم.
والتي تحدثت عن استقلالية الحركة الرياضية، أصبحت تستند إلى قرارات الدولة حين تبدلت المواقع.
لكن القانون — unlike المواقف — لا يغير رأيه.

الخلاصة القانونية
بناءً على التسلسل الصحيح للأحداث:
قرار تعيين لجنة التطبيع الأولى = باطل لعيب الاختصاص.
كل القرارات الناتجة عنها = معدومة الأثر.
أي لجنة لاحقة باعتبارها امتدادًا لها = فاقدة للسند.
القرار الثاني = متوقف بحكم قضائي.
وبالتالي:
لا وجود قانونيًا لأي استمرارية إدارية بين اللجنتين، ولا يمكن الاعتراف بأي قرارات صادرة عنهما كأثر قانوني صحيح.
لقد انتهت القضية عمليًا إلى إعادة الاعتبار لمبدأ واحد:
الشرعية لا تُمنح بالواقع المفروض… ولكن بالاختصاص الصحيح.

وأهل العرب قالوا:
القانون مثل الميزان؛ قد يميل لحظة تحت ضغط الأيدي، لكنه لا يستقر إلا على العدل. ومن يبنِ سلطته على قرارٍ معيب، كمن شيّد بيتًا فوق الرمل… يقف كثيرًا، لكنه يسقط دفعةً واحدة حين تصل الحقيقة.

وأيضًا قالوا:
أظن يا دنيا بختي قليل وسوء الحظ قصدتي عديل
كل ما أبني وأشيد قصور في مجرى السيل
يعود السيل شديد بالحيل
ويهد ويشيل كل البنيتو قبيل

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..