هل تخضع أموال الاتحاد لقوانين الثراء الحرام وغسل الأموال؟

أبو بكر الطيب
واحدة من أكبر المغالطات التي استقرت في الوعي الرياضي السوداني أن أموال الاتحادات الرياضية تقع خارج نطاق الرقابة الوطنية، وأن شعار “استقلالية الحركة الرياضية” يمنح حصانة غير مكتوبة لكل من يتولى إدارة المال داخل تلك المؤسسات.
وهذه الفكرة ـ في حقيقتها ـ هي أخطر مدخل تمدد عبره الفساد داخل جسد الرياضة.
فالاستقلالية التي يقرها الاتحاد الدولي لكرة القدم تعني حماية القرار الرياضي من التدخل السياسي، لكنها لا تعني إطلاقاً إعفاء الأموال من القوانين السيادية للدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتحويلات مالية، منح خارجية، رسوم نشاط، أو أموال تطوير تدخل عبر النظام المصرفي الوطني.
السؤال الذي لم يُطرح من قبل
عندما تدخل أموال بالدولار تحت بند تطوير كرة القدم، أو تنظيم المنافسات، أو تأهيل المدربين، فإنها تصبح ـ قانوناً ـ أموالاً خاضعة لمنظومة الدولة المالية، لأنها تمر عبر بنوكها وتتحرك داخل اقتصادها.
وهنا يبرز السؤال المشروع:
هل تخضع هذه الأموال لقوانين مكافحة غسل الأموال والثراء غير المشروع؟
الإجابة القانونية الواضحة: نعم.
لأن الجريمة المالية لا تُعرّف بطبيعة المؤسسة، وإنما بطريقة حركة المال.
الحساب الشخصي… نقطة التحول الجنائي
الفرق بين المخالفة الإدارية والجريمة المالية يبدأ لحظة انتقال المال من الحساب المؤسسي إلى الحساب الشخصي.
فعندها لا يعود الأمر شأناً رياضياً داخلياً، ولكن يدخل في نطاق الاشتباه المالي الذي يستوجب المتابعة وفق القوانين الوطنية الخاصة بحماية المال ومنع الكسب غير المشروع.
وهنا لا نتحدث عن اتهام أحد، وإنما عن مبدأ:
أي مال مرتبط بنشاط عام يجب أن يكون قابلاً للتتبع والمراجعة.
وغياب هذا التتبع يخلق بيئة مثالية لجرائم مالية مكتملة الأركان حتى وإن ارتدت ثوب النشاط الرياضي.
لا تعارض بين الفيفا وسيادة القانون
الدول المحترفة لم تحارب الفساد الرياضي بحل الاتحادات، ولكن بإنشاء رقابة مالية ذكية تراقب التدفقات دون التدخل في القرارات الفنية.
فالجهات المختصة لا تحتاج إلى إدارة الاتحاد، وإنما فقط متابعة:
مصادر الأموال،
مسارات التحويل،
وجهات الصرف.
وهذا إجراء سيادي لا يتعارض مع لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم، لأن الجرائم المالية ليست نشاطاً رياضياً حتى تُحمى بالاستقلالية.
الخوف المشروع يصنع الشفافية
الفساد لا يتراجع بالمواعظ، ولكن بوجود احتمال المساءلة.
مجرد علم أي مسؤول بأن حركة الأموال مرصودة وفق قوانين الدولة كفيل بإعادة الانضباط دون صدام أو قرارات استثنائية.
كما يقول أهل الخبرة:
عندما يُغلق باب الظلام… تختفي الصفقات التي تعيش فيه.
وقبل الختام :-
إن حماية كرة القدم السودانية لم تعد قضية نتائج أو بطولات، ولكنها قضية ثقة.
والثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بأن يعرف كل مسؤول أن المال الذي يديره ليس ملكاً شخصياً، وإنما أمانة وطنية تخضع للقانون قبل اللوائح.
فالرياضة يمكن أن تكون مستقلة…
لكن المال لا يمكن أن يكون بلا دولة.
واهلك العرب قالوا :—
المستبدون لا تهمهم الأخلاق إنما يهمهم المال
والله المستعان
