من المدرجات

البناء

آدم عبدالله حماد

الفوز على المنتخب الأخضر الرديف إعلان صريح بأن هناك عمل يخطط ومرحلة جديدة قد بدأت، مرحلة عنوانها البناء الحقيقي والعمل في صمت بعيدًا عن عدسات الكاميرات وصخب الجماهير، وانتصر المنتخب السوداني بهدفي مازن فضل ومحمد تيه “أسد” في مواجهة مغلقة حملت في طياتها ما هو أكبر من الأهداف

هذا الانتصار لم يكن الأهم فيه هز الشباك بقدر ما كان الأهم هو كسب ، فكرة أن المنتخب يمكن أن يبنى بهدوء وبخطوات مدروسة وأن المباريات الودية يجب أن تدار بعقلية فنية واعية تتحول إلى معامل إنتاج لاكتشاف القدرات وصقل المواهب لا مجرد مناسبات لرفع المعنويات.

ولعل ما يزيد من قيمة هذا الانتصار أن من أحرز الهدفين لم يكتف بوضع بصمته في شباك المنافس بل فتح باب واسع لبداية صناعة الأبطال وجعل من هذه اللحظة فرصة حقيقية له ولغيره لإثبات الذات وانتزاع مكان دائم في خارطة المنتخب فالأهداف إعلان ميلاد أسماء جديدة تبحث عن المجد.

المنتخب السعودي، حتى وإن دفع بالرديف يظل مدرسة كروية قائمة بذاتها بتاريخ ممتد وتجارب ثرية ومواجهته تمنح لاعبي السودان فرصة لا تقدر بثمن للاحتكاك الحقيقي ذلك الاحتكاك القادر على تحويل الموهبة الخام إلى لاعب مكتمل، وعلى نقل اللاعبين من مرحلة التردد إلى مرحلة الثقة والإبداع

كواسي أبياه لم يكن يتابع مباراة بصمت فقط بل كان يقرأ مستقبل يختبر شخصيات يقيس ردود أفعال ويعيد ترتيب الأوراق بعين المدرب الذي يعرف ماذا يريد، فإتاحة الفرصة للعناصر الجديدة إلى جانب بعض أصحاب الخبرة لم تكن مجاملة بل كانت خطوة محسوبة في طريق تكوين توليفة قادرة على الصمود والاستمرارية.

ما يحدث هو مشروع واضح مدرب أصبح أيقونة في إعادة الروح للمنتخب يرسم طريق لا يعرف العشوائية ويزرع في اللاعبين عقلية الانتصار قبل أن يطلب منهم تحقيقه داخل المستطيل الأخضر ليصبح اسم السودان حاضر في الأحاديث بعد أن غاب طويلاَ.

ولأن البناء الحقيقي يحتاج إلى بيئة حاضنة فإن استمرار هذه التجربة مرهون بدعم إداري ثابت وصبر جماهيري واعي، وإعلام يدرك أن المراحل الانتقالية تقاس بالنتائج التراكمية، فكل تجربة يخوضها هذا المنتخب هي حجر جديد في أساس مشروع كبير لا يحتمل الهدم عند أول تعثر

كما أن الاعتماد على الشباب ضرورة، فهؤلاء اللاعبون هم وقود المستقبل، ومن خلال مثل هذه المباريات يكتسبون الجرأة، ويتعلمون كيفية التعامل مع الضغوط، ويصنعون شخصية المنتخب التي افتقدها لسنوات، ليكون لدينا جيل لا يخاف الأسماء الكبيرة بل يصنع اسمه بينها

ولا يمكن إغفال أن العمل في الخفاء أحيانًا يكون أكثر عمل وفاعلية، فإغلاق الأبواب أمام الإعلام والجماهير حماية للفكرة، ومنح الجهاز الفني مساحة للعمل بعيداََ عن الضغوط، حتى تكتمل الصورة وتظهر النتائج على أرض الواقع بشكل يعكس حجم الجهد المبذول.

البناء أيضاََ يعني الاستمرارية في النهج وليس التراجع ولا تغيير المسار مع كل انتقاد، فالمشاريع الكبرى تبنى بالصبر والثقة، وتحتاج إلى قيادة تعرف كيف تمضي في طريقها رغم العواصف، وهذا ما يبدو أن الجهاز الفني يسعى لترسيخه داخل أروقة المنتخب

البناء ليس هدف مؤقت بل معركة تبدأ بفكرة وتكبر بالإيمان وتنجح بالصبر، مايفعله كواسي هو وضع أولى لبنات مجد قادم، ولكن هذا المجد لن يكتمل ما لم يعي الاتحاد السوداني لكرة القدم حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فمنتخب يمثل وطن بأكمله لا يترك ليقاتل وحيد في الميدان لابد من دعم مالي يضمن الاستقرار، ودعم إداري يحمي المشروع، ودعم إعلامي يساند لا يهدم، ودعم لوجستي يهيئ أفضل الظروف للاعبين ليقدموا كل ما لديهم دون عوائق، فكل تقصير في هذا الجانب هو طعنة في ظهر حلم يتشكل أمام أعيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..