من المدرجات

الخرطوم تنهض… فهل ينهض استاد المريخ!

آدم عبدالله حماد

لم تترك الحرب ملعبًا ولا ناديًا في العاصمة إلا ومرت عليه بوجهها القبيح، تقتلع الفرح من جذوره وتترك خلفها جدرانًا صامتة ومدرجات خالية غير صالحة للهتاف، وكأنها تشهد على زمن كان فيه الهتاف حياة. ما حدث كان انعكاسًا لنفوس مريضة حركها الحقد وغذاها إحساس بالدونية، فاستهدفت كل ما يُشبه الجمال والانتماء، حتى كرة القدم، ملاذ الناس الأخير، لم تنجُ من بطشها.

ورغم ذلك لم تستسلم الخرطوم، نهضت المدينة كما تفعل دائمًا، تجمع شتاتها وتعيد ترتيب ملامحها من جديد. انتظمت أعمال إعادة الإعمار، خاصة في البنية التحتية، وبدأت الملاعب التي أنهكها الخراب تستعيد شيئًا من روحها. لم تعد مجرد مساحات مهجورة، بل صارت ورشًا مفتوحة للأمل، تمهد لعودة الحياة إلى طبيعتها، ولعودة الجماهير إلى مدرجاتها التي اشتاقت لصخبها.

وجاء قرار عودة دوري النخبة إلى الخرطوم بعد غياب طال لما يقارب الأربع سنوات، كإعلان رسمي بأن الكرة تعود إلى أرضها. فالمباريات تزدهر بروح الأرض التي تُلعب عليها، وبالجماهير التي تصنع الفارق في البطولات الأفريقية تحديدًا، كان الجمهور دومًا هو اللاعب رقم واحد، يمنح الفريق دفعة معنوية ويحول الملعب إلى حصن يصعب اقتحامه، وعودة اللعب على الأرض تعني استعادة جزء كبير من الهيبة التي غابت.

وفي خضم هذا الحراك برزت لجنة منشآت المريخ محاولة أن تواكب المرحلة وتلحق بركب التأهيل. تكونت اللجنة وبدأت خطواتها الأولى، لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. جاءت استقالة المهندس المعماري، وهو العمود الفقري لأي مشروع إنشائي، لتضع أكثر من علامة استفهام، فالعمل الهندسي يقوم على رؤية علمية دقيقة، وهذا ما لم يجده، وأي غياب لهذا العنصر الأساسي يعني أن البناء نفسه مهدد بالاختلال.

زيارة رئيس لجنة التسيير للاستاد كانت خطوة إيجابية، لكنها في مضمونها كشفت خللًا أكبر. الاستماع إلى أعضاء لجنة المنشآت في غياب مختص هندسي يفرغ النقاش من جوهره، ويجعل القرارات أقرب إلى التقدير منها إلى العلم. فكيف يُناقش ملف إنشائي بهذا التعقيد دون وجود من يملك أدواته؟ وكيف تُبنى المعالجات على أرضية غير مكتملة؟ القاعدة البسيطة تقول: “ما بُني على باطل فهو باطل”، وهذه ليست مبالغة بقدر ما هي حقيقة تفرض نفسها.

استاد المريخ ليس مجرد منشأة تحتاج إلى صيانة سطحية، بل هو ملف متراكم من الإشكالات التي تجعل “الترقيع” خيارًا ضعيفًا، إن لم يكن مضللًا. المعالجات الجزئية قد تمنح مظهرًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع حلًا حقيقيًا، لذلك يظل الصوت عاليًا، يطالب بإعادة النظر من الأساس، لأن أي مشروع لا يبدأ من قاعدة صحيحة، مصيره أن يتهاوى مع أول اختبار.

وإذا كُتب لدوري النخبة أن يُقام في الخرطوم، وهو حتى الآن أمر تحيط به الشكوك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين يقف المريخ من كل ذلك؟ هل يملك ملعبًا جاهزًا يعكس تاريخه، أم يجد نفسه مضطرًا للبحث عن حلول إسعافية؟ وحتى خيار “الرديف” إن طُرح، فهو لا يعدو كونه مخرجًا مؤقتًا، لا يوازي طموح نادي بحجم المريخ ولا يلبي تطلعات جماهيره.

ملف المنشآت في المريخ لا يمكن تجاوزها لأنه أكثر الملفات تشابكًا وتعقيدًا، لأنه يرتبط مباشرة بهوية النادي ومستقبله. هو ليس مجرد مدرجات أو أرضية ملعب، بل هو العنوان الذي يُعبّر عن مكانة الكيان، وحدود طموحه. التعامل معه بخفة أو استعجال قد يكلّف الكثير، ليس فقط في الحاضر، بل في السنوات القادمة.

المريخ إما أن يختار البناء الصحيح، مهما كانت كلفته، ويضع أساسًا يليق باسمه وتاريخه، أو يستمر في دوامة الحلول المؤقتة التي لا تنتج إلا مزيدًا من الأزمات. فالأندية الكبيرة لا تُقاس فقط بما تحققه داخل الملعب، بل بما تبنيه خارجه أيضًا… والمريخ، إن أراد العودة إلى القمة، فعليه أن يبدأ من حيث يجب أن يبدأ: من الأساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..