الزعيم في دوري النخبة لا ينتصر فقط.. بل يعيد تشكيل شخصية البطل!
وائل عبدالخالق مالك
مرة أخرى يواصل المارد الأحمر إرسال رسائل واضحة إلى منافسيه في دوري النخبة. الانتصار على هلال الفاشر بهدفين دون مقابل لم يكن مجرد ثلاث نقاط جديدة في جدول الترتيب بل كان مباراة تكشف حجم التحول الفني الذي بدأ يتشكل بهدوء داخل الفريق تحت قيادة المدرب الصربي داركو نوفيتش.
منذ الدقيقة الأولى ظهر المريخ أكثر تنظيمًا وانضباطًا في الانتشار. الفريق لم يلعب بعشوائية الحماس التي لازمته في فترات سابقة بل بدا وكأنه يعرف تمامًا ماذا يريد من المباراة. هدف هاسينا عند الدقيقة 19 جاء نتيجة ضغط متقدم وتحرك ذكي بين الخطوط بينما عكس هدف أسد في الدقيقة 34 قدرة الفريق على استغلال المساحات وإنهاء الهجمات بثقة.
الأهم من الهدفين أنفسهما أن المريخ لعب المباراة بعقل بارد. لم يندفع بصورة متهورة بعد التقدم ولم يتراجع بشكل مبالغ فيه. هذه واحدة من أبرز العلامات التي ظهرت في هذه المباراة فريق يعرف متى يضغط ومتى يهدئ الإيقاع ومتى يقتل المباراة نفسيًا قبل أن يفعلها بالنتيجة. التبديلات أيضًا لم تكن مجرد تغييرات روتينية. دخول جبريل محمد بعد خروج أسد ثم الدفع بوهيب شندي وشيكو ساليما وعبدالهادي كشف أن الجهاز الفني يعمل على توسيع قاعدة الجاهزية داخل المجموعة لا الاعتماد على أحد عشر لاعبًا فقط. هذه نقطة غابت طويلًا عن المريخ في مواسم سابقة حين كان الفريق ينهار بمجرد غياب عنصر أو اثنين.
لكن رغم الانتصار لا تزال هناك بعض الملاحظات الفنية. المريخ أحيانًا يبطئ التحول من الدفاع للهجوم أكثر مما ينبغي كما أن الفريق ما زال يحتاج إلى زيادة الفاعلية في الثلث الأخير لأن عدد الفرص التي يصنعها أكبر من عدد الأهداف التي يسجلها. كذلك هناك لحظات يفقد فيها الوسط السيطرة تحت الضغط العالي وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة محليًا لكنها ستكون مكلفة قارياً.
ما يفعله داركو نوفيتش حاليًا يتجاوز فكرة مدرب يبحث عن نتائج سريعة. الرجل يبدو وكأنه يبني مشروعًا طويل النفس. تجربته السابقة في بيئات كروية أفريقية ودخوله أجواء المنافسة في الدوري الرواندي منحتاه فهمًا مختلفًا لطبيعة الكرة في المنطقة التي تتميز بالسرعة والقوة البدنية وأهمية الاستقرار التكتيكي. لذلك نرى أن المريخ لم يعد يعتمد فقط على المهارة الفردية أو ردود الفعل بل أصبح أقرب لفريق يمتلك عقلية جماعية وقالبًا تكتيكيًا واضحًا.
المثير للاهتمام والجدير بالثناء والدعم هو أن إدارة المريخ لأول مرة منذ سنوات تبدو أكثر انسجامًا مع فكرة بناء الفريق بدل سياسة التعاقدات الانفعالية. التسجيلات الأخيرة حاولت خلق توازن بين العناصر المحلية وأصحاب الخبرة والمحترفين الأجانب القادرين على إضافة جودة حقيقية لا مجرد أسماء للاستهلاك الجماهيري. وجود لاعبين مثل بانغورا وهاسينا وآخرين أعطى الفريق تنوعًا في الحلول الهجومية بينما ساعدت العناصر المحلية على الحفاظ على هوية الفريق وروحه.
قبل فترة داركو كان المريخ يعيش حالة من التذبذب الفني والإداري. تغييرات مستمرة في الأجهزة الفنية وغياب الاستقرار وفريق يفوز أحيانًا بالموهبة أكثر مما يفوز بالمنظومة. أما الآن فهناك ملامح واضحة لهوية جديدة تتمثل في تنظيم دفاعي أفضل وشخصية أقوى داخل الملعب وقدرة على التحكم في نسق المباريات. حتى انتصارات الفرقة الحمراء أصبحت تبدو مقنعة أكثر من كونها مجرد نتائج عابرة.
ولا يمكن تجاهل أثر تجربة الدوري الرواندي على تطور الفريق. الاحتكاك المستمر بمنافسات ذات نسق أسرع وتنظيم أعلى ساعد المريخ على التخلص تدريجيًا من بعض مشاكل البطء والارتباك التكتيكي. الانتصارات المتتالية التي حققها الفريق هناك بجانب الفوز في ديربي الهلال في الدور الأول للدوري الرواندي منحت اللاعبين ثقة كبيرة في المشروع الفني الحالي. ومع ذلك من الخطأ التعامل مع ما يحدث الآن باعتباره ذروة المشروع. الحقيقة أن كل ما قدمه المريخ في الدوري الرواندي وما يقدمه الآن في دوري النخبة السوداني يبدو أقرب إلى مرحلة تأسيس وبناء أكثر من كونه النسخة النهائية للفريق. الاختبار الحقيقي سيبدأ مع انطلاق الموسم القادم والمواجهات القارية حين يدخل الفريق مباريات الضغط العالي والحسابات المعقدة في دوري أبطال أفريقيا.
إذا حافظت الإدارة على الاستقرار ومنحت داركو الوقت الكافي فإن المريخ يملك فرصة حقيقية لاستعادة صورته كفريق منافس قارياً لا محليًا فقط. الفريق اليوم لا يبدو مكتملاً لكنه بالتأكيد يبدو في الطريق الصحيح. وهذا ربما أهم ما خرج به جمهور المريخ من انتصارات الفريق في مباريات دوري النخبة ليس فقط فرحة الفوز بل الشعور بأن هناك مشروعًا يتشكل أخيرًا داخل النادي.

