المريخ من التاريخ إلى المؤسسة 1-8.. رسائل في بريد مجلس التسيير.. كيف يتحول المريخ إلى نادٍ احترافي؟!

وائل عبدالخالق مالك
النجاحات الفنية التي بدأت ملامحها تظهر بفريق المريخ في الفترة الأخيرة تبعث على التفاؤل ومشروع بناء فريق قوي قادر على المنافسة القارية يبدو أنه يسير في الاتجاه الصحيح من الناحية الفنية. لكن كرة القدم الحديثة لا تُبنى فقط داخل الملعب. الفريق القوي وحده لا يصنع نادياً عظيماً إذا لم يكن خلفه كيان إداري ومالي واستثماري مستقر. التجارب العالمية أثبتت أن البطولات قد تأتي بفريق جيد ولكن الاستدامة لا تتحقق إلا بمؤسسة محترفة. ولذلك فإن مشروع المريخ الحقيقي يجب ألا يقتصر على إعادة بناء التشكيلة أو تغيير الأجهزة الفنية بل لا بد أن يصاحبه مشروع إداري واقتصادي متكامل يحول المريخ من مجرد نادٍ جماهيري يعيش على ردود الأفعال والدعم الموسمي إلى مؤسسة رياضية حديثة مستقلة مالياً وقادرة على إنتاج مواردها وإدارة أصولها وصناعة مستقبلها بعيداً عن الأزمات المتكررة.
في مايو 2004 هبط نادي ليدز يونايتد الإنجليزي من الدوري الممتاز إلى الدرجة الأولى. لم تكن هزيمة في مباراة ولم تكن أزمة فنية بل كان انهياراً مؤسسياً تاماً. قبل أربع سنوات فقط كان الفريق في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ويمتلك. لاعبين من طراز ريو فريديناند ومارك فيدوكا وهاري كيويل. ثم جاء مجلس إدارة أنفق ما لا يملك ورهن مستقبل النادي على النجاحات المستمرة وعندما حدث إخفاق واحد انهار كل شيء. تم بيع اللاعبون وفقد الملعب وتحول أحد عمالقة الكرة الإنجليزية إلى قصة تروى في كتب التحذير المؤسسي.
المريخ لم يصل إلى هذا الحد في الانهيار ولكن المسافة بين ما هو عليه الآن وبين ما حدث لليدز أقصر مما يتخيل كثيرون.
يمتلك المريخ ثروة ورصيد وجداني هائل من جمهور بالملايين وتاريخ أفريقي موثق وحضور في ذاكرة السودانيين يتجاوز حدود الرياضة. لكن لم يستغل كل ذلك، فالرصيد الوجداني لا يدفع رواتب اللاعبين ولا يمول رحلات البطولات الأفريقية. الحوكمة هي الغائب الأبرز في التاريخ الإداري للنادي حيث ينعدم الفصل الواضح بين السلطة التنفيذية والسلطة الرقابية. مجلس الإدارة في أغلب الأندية السودانية يصنع القرار ويراقبه في الوقت ذاته وهذا التداخل هو بيئة خصبة للأخطاء غير المحاسبة. الميزانيات لا تعلن بتفصيل كافٍ للأعضاء والقرارات الكبرى كالتعاقدات والرعايات تمر أحياناً خارج المسارات المؤسسية الرسمية.
على مستوى العضوية فان الأرقام المتداولة كبيرة لكنها أرقام معنوية لا مؤسسية. لا توجد قاعدة بيانات أعضاء حديثة ومفعلة. لا توجد فئات عضوية بمزايا حقيقية. لا توجد آلية لتحويل المشجع في المهجر إلى عضو فاعل وممول.
على المستوى المالي يعمل المريخ ومعظم الأندية السودانية بمنطق التدفق النقدي اليومي لا بمنطق التخطيط المالي متعدد السنوات. مصادر الدخل محدودة وغير متنوعة والاعتماد على تبرعات الإداريين والأقطاب والنتائج الرياضية يبقي النادي في حلقة مفرغة حيث الفوز يجلب المال والخسارة تجفف المال والتعاقدات تصبح رهينة للنتيجة الأخيرة.
ما يحتاجه المريخ ليس إصلاحاً جزئياً في الجوانب الفنية فقط بل إعادة بناء منهجية تبدأ من سؤال: ما الذي نريده أن يكون عليه هذا النادي بعد عشر سنوات؟
الإجابة على هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو كل شيء آخر.
نواصل
