وسط الرياح

إلى الهاوية

عدد الزيارات: 21٬002

474

أبوبكر الطيب

حين تودي التصريحات المتهورة بصاحبها إلى حيث لا يود،
وفي لحظات الغفلة، يسقط الإنسان لا لأنه ضعيف، بل لأنه ظن نفسه فوق الوقوع.
وبينما يسير على حبال مشدودة بين مجد آتٍ وسقوط محتمل، قد لا يدري أن لسانه – لا أفعاله – هو من يرسم نهايته.

عندما يقع الإنسان في مستنقع أفكاره، فإن أول من يخذله هو لسانه. يفلت الكلام منه بلا تدبر، فتصبح الكلمات أولى الطعنات التي تغرز في سمع الناس، وتبقى هناك، تحفظها الألسن، وتتناقلها المجالس، وتصير مع الوقت شهادة ضده لا له.

لقد كثرت التسجيلات الصوتية المتداولة في أيامنا هذه، ولم تعد وسيلة للتوضيح، بقدر ما أصبحت مرآةً تعكس هشاشة أصحابها.
فكم من تسجيل خرج بقصد “الشرح”، فانقلب إلى ساحة فضح وسخرية!
وكم من تصريح أطلقه صاحبه بثقة، فإذا به يفضح ضحالة تفكيره وسذاجة منطقه، معتقدًا أن نبرته العالية تغني عن حجته الغائبة، وأن كثرة الكلام تحميه من ورطة الصمت!

قال سقراط: “تكلّم حتى أراك”، ونحن نقول: “تكلّم حتى نعرف مستوى تفكيرك”.
فبعض الناس، كلما تحدثوا، اتضح أن صمتهم كان ذهبًا ضيعوه.
الحديث دون وعي، والنقاش دون دراية، ليس إلا تمرينًا يوميًا على السقوط في أعين الناس.
وليس من الحكمة أن تجعل من نفسك عرضًا صوتيًا مجانيًا في سوق الشمارات، حيث تلوكك الألسن ويتهكم عليك العابرون!

التهور في الكلام لا يسقط صاحبه فقط، بل يدمّر صورته وتاريخه، وقد ينسف مجدًا صنعه بالكد والاجتهاد.
فكم من شخصٍ قارب المجد، ثم خسر كل شيء بتسجيل صوتي غبي أو تصريح أجوف، ظن فيه أنه يقول أحسن القول، فإذا به يفضح جهله ويقينه الزائف بنفسه.

صمتٌ حكيم، خيرٌ من ضجيج فارغ.
في زمن التواصل السريع والتسجيلات التي لا تموت، يجب أن نتذكّر جيدًا أن العالم لم يعد يغفر زلات اللسان كما في السابق.
كل كلمة أصبحت قابلة للتوثيق، والمجالس الخاصة لم تعد “خاصة”، والنيات الحسنة لا تُنقذ صاحبها إذا كان حديثه قنبلة موقوتة.

نحتاج إلى وقفة تأمل، لا مع الناس، بل مع أنفسنا.
لنستمع لأنفسنا قبل أن نتكلم، ونسأل: هل هذا الذي سأقوله يضيف قيمة؟
هل أفهم ما أقول؟ هل أملك أدوات الحديث، أم أكرر ما لا أعقل؟

فإن لم نجد الجواب، فالصمت في هذه الحالة ليس جبنًا، بل ذكاء وحكمة وقوة.

وأهلك العرب قالوا:
إطلاق الشخص المسؤول لكلمات جوفاء لاذعة بلا قيمة، من أجل إشباع غروره أمام من ينظر إليهم بدونية، ستنجم عنه بلا شك نتائج وخيمة، بل كارثية.

فلنترفق بأنفسنا وبصورتنا أمام الناس، فما تقوله اليوم في لحظة حماس أو وهم تفوق، قد يكون غدًا دليل إدانة يدخلك مزبلة التاريخ، ويمنح الآخرين حق الشماتة والتندر، ويجعلك وقودًا لنيران لم تشعلها سوى رعونتك.

والله المستعان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..