طرقتُ البابَ حتى كلَّ متني

أبو بكر الطيب
اليوم يخوض منتخبنا الوطني مباراته في الأدوار الإقصائية من بطولة أمم أفريقيا، مواجهة ثقيلة الاسم والوزن… السنغال، منتخب لم يصل إلى هنا مصادفة، ولم ينتظر هدية من السماء، ولكنه جاء محمّلًا بسنوات من التخطيط، والعمل، والصبر، والاستثمار في الإنسان قبل القدم.
أما نحن… فلنكن صادقين مع أنفسنا قبل أن نكون متحمسين في المدرجات وخلف الشاشات.
تأهل لم يكن في الحسبان
المنتخب السوداني بلغ هذه المرحلة بضربة حظ لم تكن في الخيال، لا على مستوى الشارع الرياضي، ولا – وهذا الأهم – على مستوى الاتحاد السوداني نفسه، الذي حدّد عمليًا نهاية المشاركة مع آخر مباراة في التصفيات يوم 31/12، ثم أعلن بعدها انطلاق الدوري الممتاز في 7 يناير، وكأن الملف أُغلق، والطموح أُجِّل، والدعاء رُفع.
لكن الأقدار – كعادتها – لا تستشير الاتحادات. فجأة… وجدنا أنفسنا في دور الـ16، دون خطة بديلة، ودون خطاب فني أو إداري يواكب هذا التحول المفاجئ.
الحظ… هل يعود مرة أخرى؟
السؤال المشروع اليوم:
هل يطرق الحظ باب المنتخب للمرة الثانية؟
هل يمنحنا بطاقة عبور جديدة إلى نصف النهائي؟
أم أن كرة القدم – هذه المرة – ستتصرف بنزاهتها وشفافيتها وعدلها القاسي، وتمنح الفوز لمن اجتهد، وثابر، وخطط، وبنى مشروعًا لا أمنية؟
الطموح أم الوهم؟
أن تطمح، هذا حق لا يُجادل فيه أحد.
لكن أن تتخيل أنك قادر على إقصاء منتخب بحجم السنغال بالاعتماد على الحظ وحده، فهنا لا نتحدث عن طموح، وإنما عن رغبة جريئة وأضغاث أحلام تفتقر للأدوات.
فالحظ قد يفتح لك الباب مرة، لكنه لا يُدخلك كل مرة، ولا يُبقيك في حساباته كل مرة، ولا الحظ هو من يُدار به منتخب، ويُبنى عليه مشروع.
الحلم… وأضغاث الأحلام
من حقنا أن نحلم، ومن واجبنا أن نحلم، لكن الفارق كبير بين الحلم المشروع وأضغاث الأحلام.
الحلم يُبنى على قراءة واقعية للقدرات، أما أضغاث الأحلام فتعتمد على تمني ما لا تسنده أدوات ولا تحميه حسابات.
كرة القدم لا تكافئ من يحلم أكثر، وإنما تكافئ من يُحضّر أفضل، ومن يخلط بين الأمرين، يستيقظ غالبًا على صدمة قاسية.
الخوف الواجب… من الهزيمة المُذلّة
والتحذير هنا ليس تشاؤمًا ولا تثبيطًا، بل قراءة منطقية لموازين القوى.
تقول إن الخسارة واردة، لكن الهزيمة المُذلّة هي ما يجب أن نحذر منه حقًا.
الهزيمة التي لا تأتي من تفوق الخصم فقط، وإنما من سوء التقدير، والاندفاع غير المحسوب، والاعتماد على الحظ كخطة بديلة.
الخسارة بشرف قد تكون بداية تصحيح، أما الهزيمة الثقيلة فغالبًا ما تكون كشف حساب مؤلمًا، يدفع ثمنه اللاعب، والجمهور، وسمعة الكرة السودانية معًا.
مباراة اليوم… اختبار وعي قبل الأقدام
مباراة السودان والسنغال اليوم ليست فقط اختبارًا داخل الملعب، وإنما امتحان للوعي خارج المستطيل الأخضر:
هل نبحث عن الحقيقة أم عن المخدّر؟
هل نقبل بواقعنا لنُصلحه، أم نُزيّنه بالأماني؟
نتمنى الفوز، نعم.
نفرح إن تحقق، بالتأكيد.
لكننا نرفض أن نُقنع أنفسنا أن الحظ يمكن أن يكون خطة عمل.
وأهلُك العرب قالوا:
ومن طلب العُلا من غير كَدٍّ
أضاع العمر في طلبِ المُحالِ
والله المستعان…
وإلى صافرة البداية.
