انتهى الدرس يا غبي.. كرة القدم السودانية من منصات التتويج إلى منصات الجباية

أبو بكر الطيب
لم تعد عبارة «انتهى الدرس يا غبي» مجرد عنوان لمسرحيةٍ ساخرة، ولكنها صارت الوصف الأدق لما يجري في دهاليز اتحاد الكرة السوداني. المسرحية لم تُعرض على خشبة المسرح ولكنها أُخرجت بإتقانٍ رديء في مكاتب الإدارة، وعلى منصات التتويج التي هجرناها طوعًا، واستبدلناها بمنصات الصرف، وفواتير الإقامة، وبدلات السفر.
لقد أسدلنا الستار على مشاركة جديدة في أمم أفريقيا، ومعها يفرض السؤال نفسه بإلحاحٍ مُرهق:
ماذا تعلمنا وماذا استفدنا ؟
والإجابة المؤلمة: لم ينتهِ الدرس بعد لأن التلميذ يرفض الفهم.
أولًا: التقييم الفني – سقف الطموح الزجاجي
المنتخب السوداني لا يدخل البطولات بخطة عبور، المنتخب يدخل بخطة تواجد فقط لنقول للعالم نحن هنا من اجل التشريف
نذهب لنكون «حاضرين»، لا «منافسين»، وكأن الوجود وحده إنجاز.
الإيجابيات
• روح قتالية فردية لدى بعض اللاعبين،
• لحظات مفاجأة لا تصنعها منظومة، يصنعها حماس لاعب قرر أن يقاتل وحده.
السلبيات (وهي الأصل):
• غياب الاستقرار الفني،في أي منافسة يكون الأمر خاضع وفق مزاج المرحلة لا وفق مشروع.
• انعدام هوية لعب واضحة؛ لا نعرف كيف نهاجم ولا كيف ندافع.
• لا يوجد منتخب يُبنى ليكون بطلًا،يوجد منتخب يُدار ليكون «مشاركًا مشرّفًا»… وهي أخطر الأكاذيب في قاموس الفشل.
النتيجة:
نقف دائمًا تحت سقف طموح زجاجي؛ نراه، لكننا لا نملك أدوات كسره.
ثانيًا: المحصلة المالية – الاستثمار في الفشل
هنا بيت القصيد… وهنا الجرح الغائر.
الإدارة تعلم – يقينًا – أن المنافسة الحقيقية تتطلب:
• بنية تحتية
• إعدادًا طويل المدى
• مدربين أكفاء
• معسكرات محترمة
• تخطيطًا لا يرتبط بالصدفة
لكنها لا تريد ذلك.
لماذا؟
لأن فلسفة الإدارة قامت على مبدأ خطير:
المشاركة من أجل العائد المادي، لا من أجل الإنجاز.
نذهب للبطولات:
• لا لنحصد الكؤوس
• بل لنحصد «الدعم»
• «بدلات السفر»
• «مخصصات الإقامة»
• «مساعدات الفيفا والكاف»
ثم تُبتلع هذه الأموال في المصاريف الإدارية، بينما يُترك المنتخب عاريًا بلا مشروع.
الدرس المر:
الإدارة لا تستثمر في النجاح، لأنها لا تخطط له أصلًا.
هي تستثمر في الفشل… لأنه مضمون، وقليل التكلفة، وسهل التبرير.
ثالثًا: لماذا لم ينتهِ الدرس؟
لأن أسباب الفشل ما زالت قائمة:
- تغييب المحاسبة
لا أحد يسأل:
• أين ذهبت أموال المشاركات؟
• ماذا حصدنا مقابل ما صُرف؟
• من أخطأ؟ ومن يُحاسَب؟
بدل ذلك، يُعاد إنتاج المؤامرات الإقصاءات ورفع العصا لمن عصا :
إذا سألنا كيف نؤهل استاد المباراة القادمة؟
فنقع في دوامة لا تنتهي:
صيانة… ثم مشاركة… ثم فشل… ثم صيانة. - قتل القواعد وبناء اللجان
بينما تبني دول أفريقية شابة (موريتانيا، الرأس الأخضر، غامبيا):
• أكاديميات
• دوريات سنية
• منظومات كشف مبكر للمواهب
نحن نبني:
• لجان تسيير
• لجان تطبيع
• لجان صيانة… لا تنتهي من الصيانة أبدًا.
وقبل الختام :-
السودان انتقل بإرادته الإدارية
من مؤسس للاتحاد الأفريقي
إلى عابر سبيل في بطولات الأفريقية .
الدرس لن ينتهي…
طالما ظلت كرة القدم تجارةً إدارية لا طموحًا وطنيًا،
وطالما بقيت الشفافية والمحاسبة عدوين لدودين لمن يديرون المشهد. واهلك العرب قالوا :—
أحياناً قد يكون المسؤول عننا هو من يدفعنا إلى طريق الفشل دون أن يقصد ذلك فعلاً ! قد يكون جهلا وقد يكون غباءً
وتيتي تيتي زي ما رحتي وزي ما جيتي
والله المستعان .
