وسط الرياح

فرمان 10 يناير.. جنازة العدالة في مكاتب الاتحاد السوداني!

عدد الزيارات: 28
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

بينما تمضي اتحادات كرة القدم في العالم بخطى ثابتة نحو ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والنزاهة الرياضية (Sporting Integrity)، يصرّ الاتحاد السوداني لكرة القدم على شق طريقٍ معاكس، طريقٍ مظلم، تتقدمه “فرمانات” إدارية لا تمت للعدالة بصلة، وتستند إلى قراءة مشوّهة للوائح، هدفها الوحيد: تحصين الباطل وشرعنته باسم القانون.

ما صدر مؤخرًا تحت مسمى “تحديد 10 يناير كآخر موعد للاعتراض” ليس تنظيمًا، ولا اجتهادًا إداريًا، ذلك إعلان وفاة رسمي للعدالة الرياضية داخل أروقة الاتحاد.

أولًا: بدعة “الشكوى الاستباقية”… عندما يُقتل القانون قبل أن يولد

في سابقة لم يشهدها تاريخ كرة القدم، يطالب الاتحاد السوداني الأندية بتقديم شكاواها قبل حدوث الواقعة محل الشكوى، ملوّحًا بسقوط الحق القانوني بعد تاريخ محدد سلفًا.
وهنا نسأل – لا من باب الجدل ولكن من باب الفضيحة القانونية:
كيف يُطالب نادٍ بالاحتجاج على لاعب لم يشارك بعد؟
كيف يُحاكم الفعل قبل وقوعه؟
وهل تحوّل الاتحاد من جهة منظمة للمسابقة إلى عرّافٍ يقرأ النوايا؟

لوائح الفيفا – وتحديدًا لائحة الانضباط – واضحة وضوح الشمس:
الاحتجاج (Protest) يرتبط بـ واقعة المشاركة الفعلية، لا بالقيد النظري ولا بالتخمين.
اللاعب يُحتج عليه عندما يشارك، ويؤثر، ويخلّ بالتكافؤ، لا عندما يكون اسمه مكتوبًا في ورقة مخفية داخل درج الاتحاد.
ما فعله الاتحاد هنا هو محاولة تحصين المخالفة قبل ارتكابها، وهو أمر لم يسبق إليه اتحاد في العالم، إلا في جمهوريات العبث الإداري.

ثانيًا: مبدأ “المراكز القانونية”… حين يُطلب منك الشكوى على الهواء

القانون الرياضي لا يعترف بالنوايا، ولكنه يعترف بالوقائع.
والمراكز القانونية لا تنشأ إلا بعد حدثٍ مادي واضح: مباراة، مشاركة، نتيجة.
إجبار الأندية على تقديم شكاوى قبل 10 يناير يعني أحد أمرين لا ثالث لهما:
• إما جهل فاضح بمبادئ التقاضي الرياضي.
• أو تعمد مكشوف لتنبيه المخالفين ومنحهم فرصة لتعديل أوضاعهم بعيدًا عن المحاسبة.

وفي الحالتين، نحن أمام سقوط أخلاقي قبل أن يكون قانونيًا.

ثالثًا: الفخ الزمني… مباريات تُلعب بلا كشوفات!

هنا نصل إلى قلب الفضيحة.
الاتحاد يعلن:
• المباريات تنتهي في 23 يناير
• القوائم المحدثة تصدر في 31 يناير

أي:
• نلعب.
• نخسر أو نفوز.
• ثم نكتشف بعد نهاية البطولة من كان مؤهلًا ومن كان دخيلًا!

هذه ليست فوضى عادية، ولكنها بيئة مثالية للتزوير:
• أندية تلعب ضد خصوم مجهولي الهوية القانونية.
• أندية تُحرم من حق الإثبات.
• اتحاد يحتفظ بالمعلومة حتى تنتهي المسابقة… ثم يغسل يديه!

أي عدالة هذه؟
وأي نزاهة يمكن الحديث عنها في ظل هذا العبث؟

رابعًا: المادة (5)… لائحة أم “محلل شرعي” للمخالفات؟

عندما تُستخدم مادة قانونية لتكميم الأفواه بدل حماية الحقوق، فهي لم تعد لائحة، وإنما هي أداة تواطؤ.
إشراك لاعب غير مؤهل في لوائح الفيفا مخالفة جسيمة لا تسقط بالتقادم القصير، ولا تُلغى بفرمان إداري، ولا تُعالج بتواريخ مفصّلة على مقاس أندية بعينها.

أما ما يحدث عندنا، فهو:
• تقنين للخطأ.
• تحصين للمخالفة.
• واعتداء صريح على مبدأ عدالة المنافسة.

وقبل الختام:

على الاتحاد السوداني أن يعلم أن
عقول الرياضيين في السودان ليست حقل تجارب لفذلكاتكم القانونية.
والرياضة لا تُدار بالنيات، ولا بـ “الفرمانات”، ولا باجتماعات منتصف الليل بعد الانتقال إلى محطات خارجية.

إن كنتم تجهلون الفرق بين فترة التسجيل وحق الاحتجاج القانوني، فهذه مصيبة.
وإن كنتم تعلمون وتحاولون شرعنة الباطل، فالمصيبة أعظم… وأخجل.

إما:
• احترام لوائح الفيفا.
• إتاحة الكشوفات قبل المباريات.
• وحفظ حق الاحتجاج المرتبط بالمشاركة.

وإما:
• التنحي بكرامة،
• وترك المكان لمن يفهم أن الإدارة مسؤولية، لا حيلة.

واهلك العرب قالوا:

يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى … سفاها وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونها … وكم من حريص أهلكته مطامعه

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..