القيم خارج التشكيلة..
من الكابتن الذي يقود المنتخب؟ ومن المدرب الذي يقود اللعبة؟
أبو بكر الطيب
بينما تعصف الرياح بكل شيءٍ من حولنا، تبقى الرياضة في سوداننا الحبيب، وفي خرطوم الصمود على وجه الخصوص، هي الحصن الأخير للقيم الأخلاقية، والعلاقات الاجتماعية، والسلوك القويم.
لسنا هنا لنعدّ الأهداف التي تُسجَّل في الشباك، بقدر ما نحصي – وبأسفٍ بالغ – تلك التي تُهدر في الضمائر. ولسنا نبحث عن بطولةٍ تُرفع باسمنا، بقدر ما نبحث عن سلوكٍ تربوي يُنقذ أجيالًا من الانزلاق، ويعيد للرياضة شيئًا من بريقها وألقها وسحرها الجاذب.
إن العين التي ترصد الخلل لا تفعل ذلك من باب التشفي أو الهدم، وإنما من موقع الواجب؛ ذلك الواجب الذي يُمليه الضمير قبل القلم.
فمن رأى منكرًا في هذا الفضاء، ولم يسمّه باسمه، ولم يواجهه بالحجة، فقد شارك – بصمته – في توسيع دائرته، حتى تصبح الفوضى “وضعًا طبيعيًا” لا يستغربه أحد.
اليوم، يقف المشهد الرياضي السوداني أمام اختبارٍ أخلاقيٍّ عسير؛ تتقاطع فيه المصالح، وتتشابك السلطات، وتتمحور الخيوط حول اسمٍ واحد ظل حاضرًا في كل الملفات الساخنة:
أسامة عطا المنان.
نائب رئيس الاتحاد، ورئيس لجنة المنتخبات، ونائب رئيس لجنة تأهيل الملاعب، والعقل الأكثر تأثيرًا في مطبخ القرار.
وهنا نسأل بلسان النقد التربوي لا الخصومة الشخصية:
هل نحن أمام تعدد أدوار لخدمة الرياضة؟
أم أمام تغوّل سلطات غابت فيه الحدود بين الواجب والمصلحة، وبين الإدارة والخصومة؟
إن ما حدث من إساءة للاعب المنتخب الوطني محمد أحمد أرنق لا يمكن أن يُمرّر كحادثة عابرة، ولا أن يُختزل في “زلة لسان” على منصات التواصل. ما حدث هو انحدار أخلاقي خطير يضرب جوهر التربية الرياضية في مقتل.
فكيف ننتظر من جيلٍ شاب أن يحترم القيم والميدان، إذا كان التنمّر يُمارَس من أعلى الهرم، وبصمتٍ إداريٍّ مريب؟
الرياضة ليست ساحة تصفية حسابات، ولا ميدان اغتيالٍ معنوي، ومن لا يحتمل الاختلاف، لا يحق له الجلوس على مقاعد القيادة.
ويمتد هذا الخلل من السلوك إلى صلب الإدارة، حيث تتكرر الملامح ذاتها:
روح انتقام، وتصفية حسابات، وقرارات صدامية بلا دبلوماسية ولا حسٍّ مؤسسي.
فالرجل – وبالوقائع لا بالانطباعات – حاضر في كل مشهد إقصاء، وكل ملف شائك، وكل قرار خلافي، دون اكتراثٍ حقيقي بعواقب هذه السياسات على النسيج الرياضي العام.
قضية الدكتور حسن برقو، في فصليها الأول والثاني، ليست سوى نموذج صارخ لهذا النهج. إقصاء رجلٍ داعمٍ للرياضة، أسهم بماله وعلاقاته ووقته، لم يكن قرارًا إداريًا باهتاً ، بقدر ما بدا رد فعلٍ شخصيٍّ لا صلة له بمصلحة كرة القدم.
وكذلك الحال في ملفات اتحادات الجنينة والخرطوم وغيرها؛ حيث يتكرّس نمط واحد:
الخصومة تُدار بالقرارات،
والخلاف يُحسم بالعقوبات،
والقانون يُستدعى فقط حين يخدم اتجاهًا واحدًا.
أما لجان تأهيل الملاعب، فهي المرآة الأكثر صفاءً لكشف هذا النمط.
من يتأمل مواقف الرجل فيها، يدرك سريعًا أن القضية لم تكن ملاعب فقط، وإنما من يملك القرار، ومن يُقصى، ومن يُستبعد.
اسم واحد حاضر في كل اللجان، وكل التوصيات، وكل المسارات، حتى اختلطت الأدوار، وتلاشت المساءلة، وأصبح من العسير التمييز بين السلطة التنفيذية، والرقابة، والقرار السياسي داخل المؤسسة الرياضية.
وعلى الصعيد الدولي، لم يعد الأمر خلافًا محليًا يُدار بالبيانات.
قرار الفيفا بخصم 20% من أموال التطوير بسبب قضايا متراكمة – أبرزها ملف اتحاد 24 القرشي – يؤكد أن سوء الإدارة تحوّل إلى نزيفٍ قانونيٍّ وماليٍّ يدفع ثمنه الوطن.
ليست هذه عقوبةً عادية، ولكنها شهادة دولية بأن العشوائية وغياب الالتزام بالقانون أصبحا سمةً متكررة.
وفي زحمة هذا المشهد المرتبك، تطل علينا دعوات “المصالحة” باهتة الروح، أقرب إلى مناورات لامتصاص الغضب منها إلى مشروع إصلاح حقيقي.
مصالحة بلا ضمانات، وبلا رد مظالم، وبلا اعتراف بالأخطاء، ليست إلا استراحة محارب، تعود بعدها ذات الوجوه، وذات الأساليب، وذات الأزمات.
الخلاصة التي لا مهرب منها:
حين تغيب القيم عن التشكيلة، لا تعود المشكلة في اللاعبين ولا الجماهير، وإنما في من يقود اللعبة.
فالرياضة التي تُدار بروح الخصومة، لا تُنتج إلا الفوضى،
والمؤسسات التي تُختزل في أفراد، بعينهم، مصيرها السقوط مهما طال الزمن.
وأهلك العرب قالوا:
أبتِ اللقافةُ أن تُفارقَ أهلَها
وأبى اللقيفُ أن يكونَ حكيما
وقالوا:
أقولُ في الأمرِ يعنيني الجوابُ به
وأكثرُ الصمتَ فيما ليسَ يُعنيني
والله المستعان
