وأغالط نفسي في إصرار… وأقول: يمكن أنا الما جيت!

أبو بكر الطيب
«ضاقت، ولما استحكمت حلقاتها… فرجت، وكنت أظنها لا تُفرَج».
غدًا، نتهيأ لاستلام اتحاد الخرطوم
من لجنة الاستلام بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة،
ممثلةً في اللجنة التي أُسيء توصيفها ظلمًا باسم لجنة الخمسين،
لا لذنبٍ ارتكبته،
لأنها كونت لحل القضية وأن تقول: كفى للفوضى
غدًا يتم الاستلام
في لحظةٍ لم تكن لجنة التطبيع تتخيّلها، أو تنتظرها ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
ولا كانت ترغب في الوصول إليها،
ولا تملك الشجاعة للاعتراف بها.
لجنةٌ ظلت بالأمس القريب
تتمنّع، وتكابر، وترفض التسليم،
وتُراوغ بالبيانات،
وتتشبث بالكراسي
كأنما هي صكّ ملكٍ أبدي
لا عهدة مؤقتة.
واليوم…
لا بيان،
لا موقف،
لا تفسير.
غدًا،
ستغيب لجنة التطبيع عن مشهد الاستلام،
ولسان حالها يقول – دون أن تنطق:
وأغالط نفسي في إصرار… وأقول: يمكن أنا الما جيت!
ومن هنا،
لا يعود الحديث عن إدارة،
ولكن عن نهاية مسار،
ولا عن خلاف،
ولكن عن سقوط مستحق.
نستعير هذا القول اليوم
لا لنستبشر،
وإنما لنترحّم – إداريًا ورياضياً –
على لجنة التطبيع
وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
بعد صراعٍ طويل
مع الجهل،
والعناد،
وسوء الإدارة.
نستعيره
لا احتفاءً بذكرى،
وإنما تشييعًا رسميًا
إلى مزبلة التاريخ،
غير مأسوفٍ عليها.
فالصدمة التي خلّفتها هذه اللجنة الكسيحة
كانت مرآةً صادقة
لواقعٍ يصرّ على الإقامة الدائمة
في مربع الفشل،
وكأن الزمن في اتحاد الخرطوم
قد علق في نقطة واحدة:
لا يتقدم،
ولا يتعلّم،
ولا يريد أن يرى.
زلزال الجهل والعناد
ما يحدث اليوم في اتحاد الخرطوم
هو حادثًا مدبرا غير طارئًا،
ومؤامرة، ولا سوء حظ.
إنه نتاج طبيعي
لاجتماع ثلاثة آفات قاتلة:
الجهل،
العناد،
والفساد.
اتحادٌ أقعدته الصراعات الجانبية،
وشلّته تصفية الحسابات الشخصية،
وساهم في هدمه بعض المطبلاتية والكرتجية،
وبأيدي أبنائه
لا بخصومه.
فاتحاد كهذا
لا يمكنه أن يواكب،
ولا أن ينهض،
ولا أن يخدم أنديته.
اختار الانشغال بنفسه
بدلًا عن الانشغال بالكرة،
وبالكرسي
بدلًا عن القانون،
وبالإعلام
بدلًا عن المؤسسات.
تحت الركام… أندية تستغيث
إنه زلزال إداري وأخلاقي
ضرب الأركان،
وترك الأندية
تحت أنقاض الركام:
تستغيث… ولا مجيب.
تنتظر عدالة… فلا تأتي.
بينما يقبع الاتحاد
في غفلة مخاضٍ عسير،
متشبثًا بكراسيّ أكلها السوس،
ولم يبقَ فيها من شرعية
سوى الاسم.
العبقرية العرجاء… وملهمتها الصمّاء عجوبة
عجيبٌ أمر هذه “اللجنة”!
كيف لجهةٍ مسؤولة
أن تكابد،
وتجابد،
وتعافر،
ثم تكون المحصلة النهائية…
قبض الريح؟
المسؤولية – يا سادة –
ليست خطابًا إنشائيًا،
ولا بياناتٍ مُنمّقة،
إنها علاقة طردية واضحة
بين القرار والحساب.
لكننا في لجنة التطبيع
عشنا معادلة مقلوبة:
الإعلام هو الربّان،
والقرارات تُتخذ
على إيقاع الموج،
والسفينة تُترك لقدَرها.
ثم تأتينا العبقرية العرجاء
بحلٍّ لا يرقى
حتى إلى مستوى المسكّن:
تكوين لجنة جديدة!
لجنة هجين…
ولجان أخرى في الطريق!
فهل هذه إدارة أزمة؟
أم محاولة مكشوفة
لذرّ الرماد في العيون
بينما الحقيقة
تصرخ تحت الركام؟
قضية نادي النيل… الشاهد الحي
الإصرار على المضي قدما في قرارات خاطئة
بعد الفشل في تحقيق
أدنى معايير النزاهة،
ومحاولات “سمكرتها”
بلجنة هجين
لن تجدي نفعًا…
وليس صمودًا،
إنه انتحار إداري
يكشف ضحالة الفكر
وفقر القرار.
إجتماع الكارثة
عندما يجتمع:
• الجهل بالقانون،
• والمرض بحب السلطة،
• وفقر الرؤية الإدارية،
فاعلم – بلا تردد –
أن رياضتنا في سكة الخطر .
المسؤولية
ليست وجاهة اجتماعية،
ولا صورة بروتوكولية،
إنها قدرة
على اتخاذ القرار الصعب
في الوقت الصعب.
أما تكوين اللجان الهشّة،
فليس إلا دليلًا
على نقص الخبرة،
والهروب إلى الأمام.
وقبل الختام :—
نصيحة نكررها،
ولعلها هذه المرة
تجد أذنًا غير صمّاء:
ترجّلوا من سكات
ارحلوا غير مأسوفٍ عليكم،
فالكرة لم تعد تحتمل
«العبث المحمي باللجان»،
والعدالة لا تُبنى
بأيدٍ مرتعشة،
ولا بعقولٍ تخشى
مواجهة الحقيقة.
وأغالط نفسي في إصرار،
وأقول:
لعل العيب في رؤيتي،
ولعلني أنا
الذي لم يفهم
عبقرية هذا التخبط،
ولعلني «الما جيت»…
لكن الواقع
يصفعني كل يوم
ليؤكد أن التاريخ
يعيد نفسه
في ميريلاند،
وفي بيت السودان
بضاحية السيدة زينب بالقاهرة،
ولكن هذه المرة
في شكل مهزلة
لا مأساة.
واهلك العرب قالوا:
«من لم يتّعظ بسقوطه الأول،
سقط ثانيًا… وثالثاً ورابعاً
ولم يجد من يأسف عليه».
والله المستعان
