وداعاً سادن الأثير البروفيسور صلاح الدين الفاضل:رحيل القمم
الصفوة – محجوب بخيت محجوب
في يومٍ حزين من أيام الجمعة، الثالث والعشرين من يناير 2026، انطفأت منارةٌ سامقة من منارات الإبداع السوداني، وغيب الموت ركناً ركيناً في صرح الإعلام الأكاديمي والخبير الاذاعي البروفيسور صلاح الدين الفاضل أرسد، الذي ترجل عن صهوة الحياة بعد مسيرةٍ باذخة امتدت لأكثر من خمسة عقود، صان خلالها هوية الإذاعة السودانية، ورفد مكتبتها بذخائر من الفن الرفيع.
وُلد الراحل في رحاب مدينة أم درمان، وتحديداً في “حي العمدة” العريق، ومن أزقتها استلهم روح الفن الأصيل. بدأت رحلته العلمية من معهد الموسيقى والمسرح، ثم مضى ينهل من مناهل المعرفة، فنال دبلوم تعليم الكبار من جامعة الخرطوم، والدبلوم العالي في النقد الفني من أكاديمية الفنون بالقاهرة. لم يتوقف طموحه الأكاديمي عند حد، فحصل على الماجستير من جامعة السودان، ثم الدكتوراه من جامعة وادي النيل بأطروحته النوعية “تكوين الصورة في الدراما التلفزيونية”، ليجمع بين موهبة الفنان وعمق العالم الأكاديمي.
التحق الراحل بإذاعة هنا أم درمان في ريعان شبابه عام 1967، حيث بدأ مساعداً لكبار المخرجين أمثال محمد طاهر وأحمد قباني. وتدرج في مدارج الإدارة والعمل المهني بفضل إخلاصه وتفانيه؛ من كبيرٍ للمخرجين، إلى رئيسٍ لقسم المنوعات، وصولاً إلى منصب المدير العام للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، ومديراً لأكاديمية علوم الاتصال.
عُرف البروفيسور صلاح الدين بعشقه الصوفي للميكروفون، وقد أثرى المكتبة الإذاعية بمسلسلاتٍ درامية شكلت وجدان أجيالٍ بأكملها. من منا ينسى إخراجه الفذ لروائع الكُتاب مثل:
هاشم صديق في “الخروج من النار”.
حمدنا الله عبد القادر في “خطوبة سهير” و”المنضرة” و”حكاية نادية”.
د. خالد المبارك في “كلام رجال”.
إلى جانب أيقونات مثل “الحراز والمطر . “للقمر وجهان، والرقم 99 ومن ابرز الممثلين الذين تعامل معهم
مكي سنادة، تحية زروق ، سنية المغربي ،عوض صديق عثمان محمد صالح، حاكم سلمان ، عبد الواحد عبد الله، الهادي الصديق
ولم يقتصر إبداعه على الدراما، بل كان مهندس البرامج الأكثر جماهيرية، كبرنامج “صباح الخير يا وطني. وعرض المنوعات و”مفكرة الصباح حيث وضع فيها روح المجدد ورؤية الرائد.
في محراب العلم، كان البروفيسور صلاح معلماً ملهماً. فمنذ التحاقه بجامعة الخرطوم عام 2001، وكلية الدراما بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح واكاديمية علوم الاتصال، وصولاً لترؤسه قسم الإعلام بجامعة أم درمان الأهلية، ظل مهتماً بالربط بين النظرية والتطبيق. استقطب كبار المهنيين لتدريس الطلاب “لياقة المذيع” و”فنون التصوير والتحرير، فخرج أجيالاً تملأ الساحة الإعلامية اليوم علماً وأدباً.
رحل صلاح الدين الفاضل، الإنسان الشفيف والرقيق الذي لم يجامل في جودة العمل، وترك خلفه تلاميذا يحملون إرثه بوفاء، أمثال المخرجين صلاح الدين التوم، شاذلي عبد القادر، طارق البحر، وإبراهيم البزعي،سهير قوليب،انعام عبدالله وغيرهم ممن طُبعوا ببصمته المميزة.
إن السودان اليوم لا ينعي مخرجاً فحسب، بل ينعي حقبةً من الرقي والجمال المهني. اللهم اغفر لعبدك صلاح الدين الفاضل، وأكرم نزله، وأبدله داراً خيراً من داره، واجعل علمه وعطاءه صدقةً جاريةً في ميزان حسناته
”إنا لله وإنا إليه راجعون”




