لصوص الهوية… وعقول القطيع

أبو بكر الطيب
في وسط الرياح التي تعصف بوعينا المعاصر، لا تبدو قرصنة الحسابات حادثة تقنية عابرة، ولا نزوة عابث يجيد اللعب بالأزرار والروابط. إنها مرآة فاضحة لشروخ أعمق في جدار النفس البشرية، ولعطبٍ مزمن في آلية التفكير الجمعي.
هي لحظة يتقاطع فيها ذكاء المحتال الشرير مع غياب الوعي لدى المتلقي، لنقف أمام مشهد مكرر: ذئب يرتدي ثياب الواعظين، وقطيع يهرع خلف السراب دون تمحيص.
القرصنة:
عندما يصبح الوجه قناعًا
المحتال الذي تهجّم على حسابي اليوم لم يكن يستهدف “تطبيقًا” ولا رقم هاتف، إنه كان يستهدف الثقة.
لقد حاول سرقة ملامحي، ونبرة لغتي، وتاريخي مع الناس، ليحوّلها إلى بضاعة في سوق النخاسة الرقمي.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
هذا النوع من الاحتيال ليس ماليًا في جوهره، إنه انتحال روحي، يراهن على أن الاسم والصورة كافيان لإلغاء العقل.
إنه لا يقول: “انظروا إلى ما أطلب”،
ولكنه يقول ضمنًا: “انظروا إلى من أكون”.
وهنا يسقط الكثيرون.
من سرقة الهواتف إلى سرقة العقول
وجه الشبه بين لص الهواتف ولص العقول مخيف في بساطته؛
كلاهما يعتمد على تخدير حاسة التمييز.
الأول يطلب حوالة بنكية،
والثاني يطلب تبعية مطلقة،
والنتيجة واحدة: عقل مُعطَّل، وإرادة مؤجَّلة.
فالاحتيال الرقمي ليس إلا نسخة مصغّرة مما نراه في السياسة، وفي الرياضة، وفي الفكر، وفي الاجتماع.
محتال يرمي الطُعم،
وجموع تبتلع لأن “الكل يفعل ذلك”،
أو لأن “الظاهر يبدو صادقًا”.
لا أحد يسأل:
هل هذا يشبه الرجل الذي نعرفه؟
هل هذا الخطاب ينسجم مع تاريخه؟
هل الطلب منطقي أم طارئ؟
إنهم يسيرون مغمضي الأعين خلف السراب، تمامًا كقطيع أغنام يتبع جرس القائد حتى لو كان يقودهم إلى الهاوية.
سيكولوجية القطيع عندما يغيب السؤال
إن أشد ما يؤلم في هذه الوقائع ليس جرأة المحتال، ولكن سرعة التصديق.
وهنا نصل إلى لبّ الأزمة:
المجتمعات التي تُدار بعقلية القطيع هي التربة الخصبة لكل أشكال الاحتيال.
حين يتنازل الإنسان عن حقه في السؤال،
ويستقيل من مسؤوليته في التفكير،
فإنه يتخلى عن أخص خصائص إنسانيته: الحرية.
فالقطيع لا يُخدع…
القطيع يرتاح للخداع،
لأن التفكير مُتعب،
ولأن الشك مسؤولية،
ولأن السير مع الجمع يمنح وهم الأمان.
المنطق الغائب
لقد حاول هذا المتسلل أن يصورني كـ “متسول” يطرق الأبواب، متناسيًا أن الكلمة التي أكتبها كل يوم هي نشيد للكرامة، وأن عزة النفس ليست شعارًا يُكتب، ولكنها سلوكًا يُعاش.
لكن اللوم – والحق يقال – لا يقع على المحتال وحده،
وإنما على من صدّق أن عزة النفس يمكن أن تسقط برسالة واتساب،
وأن تاريخ المواقف يمكن أن يُمحى بطلبٍ عاجل لدراهم معدودة.
إن العلاقة بين المحتال والقطيع علاقة تكاملية للأسف:
الأول يجد في غياب الوعي مرتعًا،
والثاني يجد في الانقياد راحة من عناء التفكير.
وقبل الختام :-
أنا لم أطلب، ولن أطلب يومًا معونة.
وما حدث اليوم ليس فضيحة تقنية، إنها درس أخلاقي لنا جميعًا.
علّمنا أن نحمي عقولنا قبل هواتفنا،
وأن ندرك أن الحساب يُستعاد برمز أمان،
أما العقل… فإذا أُغلق طوعًا، فلا رمز يعيده.
كونوا نقّادًا لا أرقامًا،
واعرفوا أصحابكم بمواقفهم لا بحساباتهم،
فالحقيقة لا تحتاج إلى كلمات مرور،
إنها تحتاج إلى بصيرة تنفذ من خلال الغبار.
واهلك العرب قالوا:
إذا سار القطيع بلا عقل،
فالهاوية ليست صدفة… إنها موعده
ومَن لا يَذُدْ عن حَوضِهِ بسِلاحِهِ
يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَم
ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلًا
ويأتيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزوِّدِ
والله المستعان
