وسط الرياح

هوس الأجانب.. وصمت “البيت القديم”

عدد الزيارات: 1
ابو بكر 2

أبو بكر الطيب

لم يكن “حمار الشيخ” يومًا عاجزًا عن تسلّق العقبة، إلا حين أثقله صاحبه بما لا يطيق، أو حين ضلّ الطريق نحو القمة.
واليوم، والوسط الرياضي السوداني يموج ويهيج بالصفقات المليارية، والأسماء القادمة من وراء البحار، نجد أنفسنا أمام تساؤلٍ مشروع… تساؤلٍ يهرب منه الجميع إلى منصات الاحتفال بالأهداف الجاهزة:
أين نحن في زحام هؤلاء؟

استبشرنا خيرًا بعودة الروح لملاعبنا عبر بوابة المحترفين، وظننا أن العدوى الإيجابية ستنتقل للاعبنا الوطني، وأن الاحتكاك سيصنع فارقًا في الشخصية الكروية المحلية. لكن القراءة المتأنية لما وراء النتائج اللحظية تكشف مشهدًا مغايرًا تمامًا.

لقد تحوّلت الاندية وخاصة المريخ الذي كان تاريخيًا منارةً لتفريخ المواهب — إلى مجرد ساحة ترانزيت للاعبين يربطهم بنا عقدٌ دولاري ينتهي بانتهاء الصلاحية المادية، لا بوفاء الشعار.

الزاوية التي غابت عن أقلام الإعلام المريخي ، وهم يحللون أداء “س” و”ص” من المحترفين، هي تلك الزاوية الصامتة التي لا يراها أحد:

سيكولوجية الانزواء لدى الموهبة المحلية.

عندما يوقن الناشئ في أزقة أم درمان، أو ملاعب عطبرة، أو ميادين الفاشر، أن طريقه نحو القمة مسدود بجدارٍ عازل من العقود الأجنبية، فإنه لا يفقد الحافز فقط… إنه يفقد الحلم ذاته.
وهنا لا نخسر لاعبًا…
إننا نخسر هوية.
نحن لا ندعو للانكفاء على الذات، ولا لمعاداة الاحتراف، فالعالم أصبح قرية كروية واحدة. لكننا نحذر من أن يتحول الاستيراد إلى غاية، لا وسيلة.
فالقوة ليست في من يشتري النجاح،القوة في من يصنعه.
ولأن الحديث هنا عن نادٍ كان مدرسة، ومرجعًا، ومصنعًا للنجوم، فإن السؤال الإداري يصبح أكثر إلحاحًا:
كيف تحوّلت الميزانيات من بند التأسيس إلى بند التعويض؟
وكيف أصبح التعاقد يغطي على غياب التخطيط للمراحل السنية؟
ولماذا غابت الأكاديميات عن الأولويات، وحضرت الصفقات في العناوين العريضة؟
إن بناء أكاديمية واحدة في أطراف السودان، تُعنى بصقل جوهرة سودانية خام، هو استثمارٌ أبقى وأرقى من الركض خلف بريقٍ زائف يرحل مع أول طائرة مغادرة.
فالنادي الذي لا يزرع… سيظل يشتري.
والنادي الذي لا يُخرج من رحمه اللاعبين… سيظل يستعير القمصان بأسماء مستعارة.
ليست المشكلة في الأجانب…
المشكلة في صمت البيت القديم.
الصمت الذي ترك المراحل السنية تضعف بصمت،
والأحلام الصغيرة تموت بصمت،
والمواهب تتبدد بصمت.
وسط هذا الصخب، تهمس «وسط الرياح» في أذن القائمين على الأمر:
أعيدوا الحياة إلى الجذور… فالشجرة التي لا تسقي جذورها، لن يحميها ظل أوراق مستوردة.
واهلك العرب قالوا:
الزرع إن لم يكن من أرضك… فلن يثبت في عاصفتك
والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..