تهنئة تفتح الأبواب المغلقة

أبو بكر الطيب
كل التهاني عبارة عن كلمات تُقال وتمضي،
وكل العبارات بروتوكولاً تليق بالمناسبات ثم يُنسى أثرها.
فبعض التهاني تُكتب لتُقرأ،
وبعضها تُكتب لتُفهم،
وبعضها تُكتب لتكون مدخلاً لحلٍ طال انتظاره.
وعندما أصدرت لجنة تسيير اتحاد الخرطوم المحلي لكرة القدم بيان تهنئتها للأستاذ/ بابكر علي يحيى بمناسبة تكليفه أميناً عاماً للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بولاية الخرطوم، لا لتكتب خطاب مجاملة، ولا لتؤدي واجباً بروتوكولياً، كانت تفتح باباً ظل مغلقاً لفترة طويلة، وتدعو الرجل أن يدخل منه.
فالمشهد الرياضي في ولاية الخرطوم لم يعد يحتمل المجاملات، ولا يحتمل الانتظار، ولا يحتمل إدارة الأزمة بذات الأدوات القديمة التي ظلت تؤجل الحل أكثر مما تقرّبه.
وقضية اتحاد الخرطوم أصبحت هي قضي الساعة وأصبحت منعطفاً خطيراً يهدد مستقبل كرة القدم في الولاية بأكملها، لأن اتحاد الخرطوم ليس اتحاداً عادياً في الخارطة الرياضية، إنه القلب النابض الذي ظل لعقود يضخ الحياة في شرايين الكرة السودانية.
وإذا اعتلّ القلب… اختلّ الجسد كله.
اتحاد الخرطوم القائد المفقود
هذا الاتحاد الذي صنع الأجيال، وأدار المنافسات، وخرّج الإداريين والحكام والمدربين واللاعبين، وأدار اللعبة في أصعب الظروف، أصبح اليوم أسيراً لتعقيدات قانونية وإدارية لم تُحلّ لأنها لم تُدار من زاوية «الحل»، وإنما من زاوية «الترحيل».
وكل يوم يمرّ في هذا الوضع هو خصمٌ مباشر من رصيد الاستقرار الرياضي في العاصمة.
ولجنة التسيير، وهي تتحمل عبء هذا الواقع الثقيل، وتدير المشهد بما تستطيع من إمكانات وصبر، لم تجد أمامها سوى أن ترسل هذه الرسالة المهذبة الواضحة للوزير الجديد، رسالة ظاهرها التهنئة وباطنها دعوة مسؤولة للتدخل الإيجابي.
رسالة تقول بوضوح مؤدب:
نحن لا نطلب دعماً… ولكن نطلب قراراً.
لا نطلب مساندة… وإنما نطلب معالجة تعيد الأمور لنصابها.
فالملف الآن لم يعد يحتمل التأجيل، ولم يعد يحتمل إدارة الأزمة بالحياد السلبي، لأن الحياد في لحظات الاختلال ليس عدلاً، إنه امتداد للأزمة نفسها.
الوزير الجديد… والفرصة التاريخية
الأستاذ بابكر علي يحيى لا يأتي إلى هذا المنصب في ظرف عادي.
هو يأتي في لحظة مفصلية يمكن أن تُكتب في سيرته المهنية كواحدة من أهم المحطات إن أحسن قراءة المشهد.
فإنقاذ اتحاد الخرطوم اليوم ليس مهمة إدارية تُنجز بالتوقيع على الأوراق، إنها موقف قيادي يُقاس بقدرته على إعادة الاستقرار لمؤسسة كانت تمثل العمود الفقري للرياضة في الولاية.
ليس مطلوباً منه أن ينحاز لطرف،
ولا أن يدخل في تفاصيل الخلافات،
أن المطلوب منه إن ينحاز للقانون… وللاستقرار… ولمستقبل الرياضة.
لقد وضعت لجنة التسيير الكرة في ملعب الوزير،
لأن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من التأزم الإداري،
ومزيداً من فقدان الثقة في المنظومة،
ومزيداً من الضبابية التي لا تخدم أحداً.
ولأن الوزير الجديد يملك ما لم يملكه من سبقوه في هذا الملف:
فرصة البداية النظيفة… والقرار غير المثقل بحسابات الماضي.
إنها لحظة نادرة يمكن أن تتحول فيها الأزمة إلى فرصة إصلاح حقيقية، إن وُجد القرار الذي يقرأ المشهد كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
الرسالة التي يجب أن تُفهم
نحن جاهزون للتعاون.
الباب مفتوح لكل الحلول.
يدنا ممدودة لاستقرار رياضة العاصمة.
والمطلوب فقط أن تتقدم الوزارة خطوة للأمام.
إنها ليست شكوى تُرفع،
ولا مذكرة تُقدّم،
إنها دعوة محترمة لأن تُدار الأزمة بعقل الدولة، لا بعادة التأجيل.
فإعادة اتحاد الخرطوم إلى موقعه الطبيعي ليست مصلحة لجنة التسيير وحدها، إنها مصلحة كل الوسط الرياضي في الولاية، وفي السودان كله.
لأن اتحاد الخرطوم عندما يكون مستقراً… تكون الرياضة مستقرة.
وعندما يكون قائداً… تستقيم بقية المؤسسات خلفه.
الطريق إلى العودة
والحقيقة التي لا تخفى على أحد، أن هذا الملف لا يحتاج إلى معجزات، إنه يحتاج إلى إرادة واضحة تنهي حالة التردد، وتعيد الأمور إلى نصابها وفق القانون، وتضع حداً لمسار طال أكثر مما ينبغي.
ولجنة التسيير، بخطوتها هذه، لم تفعل سوى أنها قالت للوزير الجديد:
هذا باب الحل… ونحن أول الواقفين عنده.
واهلك العرب قالوا :-
الكلمة الطيبة مفتاح بابٍ مُغلق،
والقرار الحكيم يعيد القافلة إلى الطريق.
وقالوا أيضاً:
إذا صلح الرأس صلح الجسد،
وإذا استقام القائد استقامت الراية.
إذا وجدت الصبر يساوي البلادة في بعض الناس فلا تخلطن بين تبلد الطباع المريضة وبين تسليم الأقوياء لما نزل بهم
يبذل الكثير من الناس الكثير من الوقت والجهد في تفادي المشاكل، بدلا من أن يحاولوا حلها
والله المستعان
