حكم القضائي أم وجهة نظر!

أبو بكر الطيب
إن الدول التي تعرف معنى الدولة، لا يُنظر إلى الحكم القضائي باعتباره ورقة تُضاف إلى الأرشيف، ولا قرارًا قابلاً للتأويل وفق المزاج الإداري. الحكم القضائي هو السقف الأعلى الذي تقف عنده كل السلطات، وتنتهي عنده كل الاجتهادات، وتسقط أمامه كل المبررات.
فالقاضي عندما ينطق بالحكم، لا يتحدث باسمه، ولا باسم مؤسسة، إنه يتحدث باسم الدولة وهيبتها وعدالتها.
لكن المشهد الرياضي الذي نراه اليوم يرسم صورة مغايرة تمامًا؛ صورة يُتعامل فيها مع أحكام القضاء كما لو كانت رأيًا إداريًا صادراً من باشكاتب يمكن الالتفاف حوله بقرار، أو تجاوزه بتعميم، أو إفراغه من مضمونه بخطابٍ بارد.
وهنا تكمن الكارثة.
بين الاختلاف الإداري… وازدراء القضاء
من حق أي مؤسسة أن تختلف إداريًا، وأن تناقش، وأن تطعن عبر القنوات القانونية. هذا هو السلوك الطبيعي في دولة القانون.
لكن أن يصدر حكم قضائي واضح، ثم تستمر الإجراءات وكأن شيئًا لم يكن… فذلك ليس اختلافًا إداريًا.
ذلك سلوكٌ ازدراء سلطة القضاء.
فالاختلاف الإداري يمارَس داخل القانون،
أما تجاوز القضاء فيُمارَس فوق القانون.
والفارق بينهما ليس لغويًا… إنه أخلاقي ودستوري في المقام الاول
السؤال المؤلم الذي يواجه الوسط الرياضي
إن السؤال الذي يوجع الوسط الرياضي اليوم ليس قانونيًا فحسب، إنه أخلاقي وتربوي في المقام الأول:
كيف لمؤسسةٍ تعمل تحت مظلة الدولة، وتستمد شرعيتها من قوانينها، أن تتعامل مع أحكام قضائها وكأنها شأنٌ قابل للتجاوز؟
هذا ليس خلافًا في تفسير لوائح، ولا اختلافًا في وجهات نظر إدارية، إنه مشهد يعقد المفاهيم التي يُفترض أن يربي عليها الاتحاد الأجيال: احترام القانون، الالتزام بالمرجعية، والانضباط لقواعد اللعبة… داخل الملعب وخارجه.
فالذي يُنتظر منه أن يقود ركب رعاية الشباب، وأن يغرس فيهم قيم الالتزام والانضباط والروح الرياضية، لا يصح أن يُقدِّم نموذجًا إداريًا يبدو فيه أن الحكم النهائي يمكن الالتفاف حوله بقرار، أو تجاوزه بخطاب.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة.
لأن الرياضة في جوهرها تربية قبل أن تكون منافسة، وقيم قبل أن تكون نتائج. فإذا اهتزت صورة القدوة المؤسسية، ضاعت الرسالة التربوية قبل أن تضيع اللوائح.
إن الوسط الرياضي لا يتألم لأن هناك نزاعًا إداريًا… ولكن يتألم لأن صورة “احترام الدولة” نفسها بدت مهتزة في هذا المشهد.
وهذا ما يجعل القضية أكبر من اتحاد، وأكبر من لجنة، وأكبر من خلاف عابر.
إنها قضية المثال الذي يُقدَّم للأجيال:
هل نعلّمهم أن الحكم هو نهاية المباراة؟
أم أن المباراة يمكن أن تستمر بعد صافرة النهاية؟
ماذا يرى الناس؟
الناس لا يتابعون التفاصيل القانونية الدقيقة، لكنهم يراقبون السلوك.
يرون:
• حكمًا قضائيًا يصدر
• وقراراتٍ إدارية تستمر
• وخطابًا رسميًا يتصرف كأن الحكم لم يُكتب
وهنا تتشكل أخطر رسالة يمكن أن تصل للمجتمع الرياضي:
أن القضاء يمكن تجاوزه… إذا امتلكت الجرأة الكافية.
وهذا خطر لا يهدد الرياضة وحدها… إنه خطر يهدد مفهوم الدولة نفسه.
سابقة لم يعرفها الوسط الرياضي
لم يعتد الوسط الرياضي في تاريخه أن يرى مؤسسة رياضية تتعامل مع القضاء بهذا القدر من الاستخفاف والتهاون .
لأن الرياضيين — بفطرتهم — يعرفون أن الحكم هو نهاية المباراة. صافرة الختام.
لكن ما يحدث الآن يشبه فريقًا يواصل اللعب بعد أن أطلق الحكم صافرة النهاية!
أي رسالة هذه التي تُبث للأندية؟
وأي قدوة تُقدم للناشئين؟
وأي صورة تُرسم عن احترام القانون؟
الرسالة التي لا ينتبه لها الاتحاد
كل قرار يتجاوز حكمًا قضائيًا لا يضعف خصومه… إنه يضعف صورته هو.
لأن الخصومة تنتهي في المحكمة.
لكن السلوك بعد المحكمة هو الذي يُكتب في ذاكرة الناس.
والناس لا تنسى من احترم القضاء…
ولا تنسى أكثر من ظن أنه يستطيع تجاوزه.
إلى أصحاب القرار في الدولة
هيبة القضاء ليست شأنًا رياضيًا… إنها شأن سيادي.
والمؤسسات عندما ترى أن بإمكانها الالتفاف حول الأحكام، فإنها لا تهدد خصومها…ولكنها تهدد فكرة الدولة.
وقبل الختام :—
المشكلة لم تعد في قرار، ولا في لجنة، ولا في اتحاد.
المشكلة أصبحت في السؤال الأخطر:
هل الحكم القضائي ملزم… أم قابل للتجاهل؟
واهلك العرب قالوا:
إذا سقطت هيبة العدل في النفوس
لم يبقَ للحقِّ في الأرضِ مقام
والناسُ إن رأوا القانون يُهان
هانَ في أعينهم كلُّ نظام
والله المستعان
