وسط الرياح

قرارات المحكمة في الواقع العملي

عدد الزيارات: 4
ابو بكر 3

أبو بكر الطيب

ليست المشكلة في صدور الحكم القضائي…
فالأحكام تصدر كل يوم، في قضايا شتى، ويطوى أثرها سريعًا حين تجد طريقها الطبيعي إلى التنفيذ.
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ بعد صدور الحكم.
هناك، في تلك المساحة الصامتة بين “نص الحكم” و“السلوك الإداري”، يتكشف المشهد الحقيقي، وتظهر طريقة التفكير، وتُقرأ النوايا من الأفعال لا من البيانات.
فالوسط الرياضي اليوم لا يسأل: ماذا قالت المحكمة؟
ولكنه يسأل: ماذا فعل الاتحاد بعد أن قالت المحكمة كلمتها؟
وهنا تكمن القصة.
من النص إلى الواقع… أين يتغير المعنى؟
الحكم القضائي حين يصدر يكون واضحًا في دلالته، محددًا في أثره، صريحًا في نتيجته.
لكن ما يحدث في الواقع العملي يُظهر مسارًا مختلفًا تمامًا:
• لا يتوقف النشاط المتأثر بالحكم
• لا تتغير القرارات ذات الصلة
• لا يُعاد ترتيب المشهد الإداري وفق مقتضى الحكم
إنما تستمر الإجراءات وكأن الحكم لم يكن
ليس عبر إعلان رفضه…ولكن عبر تجاهل أثره.
وهذه أخطر طريقة يمكن أن يُفرَّغ بها الحكم من مضمونه.
التجاهل الإداري… أداة ناعمة لتجاوز الحكم
الاتحاد لا يقول إنه يخالف المحكمة.
ولا يصرّح بأنه لا يعترف بالحكم.
لكنه يفعل شيئًا أدق وأخطر:
يتصرف وكأن الحكم لا يستوجب تغييرًا.
وهنا تتحول قرارات المحكمة، في الواقع العملي، من أوامر واجبة التنفيذ… إلى نصوص بلا أثر.
وهذا ما يراه الناس.
ماذا يعني عمليًا تجاهل الحكم القضائي؟
تجاهل الحكم القضائي ليس موقفًا إداريًا عادي، ولا خلافًا في تفسير اللوائح.
هو دخولٌ مباشر في منطقة قانونية شديدة الحساسية.
لأن الحكم عندما يصدر، لا يصبح مجرد “رأي قضائي”، إنه يتحول إلى أمر واجب النفاذ، وأي سلوك لاحق يُبنى على غير مقتضاه يضع صاحبه في مسار مساءلة قانونية لا تبدأ ولا تنتهي عند حدود الرياضة.
إن الاستمرار في إصدار الأوامر والقرارات ذات الصلة بموضوعٍ صدر فيه حكم قضائي، لا يُقرأ قانونيًا باعتباره تجاهلًا فحسب… إنه يُقرأ باعتباره مخالفة صريحة لأمر قضائي واجب التنفيذ.
وهنا تتغير طبيعة القضية بالكامل.
هل تكتفي المحكمة بإصدار الأحكام فقط؟
المحكمة لا تصدر أحكامًا لتُعلَّق على الجدران.
إن القضاء يملك من الوسائل ما يكفل حماية أحكامه، ومحاسبة من يثبت في حقه مخالفتها أو ازدراؤها.
لأن هيبة القضاء لا تُصان بالكلمات… ولكن بآليات التنفيذ والمساءلة.
هل الأحكام الإدارية بلا أسنان؟
يظن البعض أن الأحكام الإدارية أقل صرامة من الأحكام الجنائية، وهذا فهم خاطئ.
ففي مراحل متقدمة من التقاضي، وعندما يثبت أن جهةً ما تعمدت عدم تنفيذ حكم قضائي إداري أو التحايل على أثره، فإن المسار القانوني قد يتطور من نزاع إداري إلى مسؤوليات قانونية أشد تتعلق بمخالفة أوامر القضاء.
وهنا لا تعود القضية إدارية فحسب.
كيف يقرأ الوسط الرياضي هذا المشهد؟
الناس لا تقرأ حيثيات الأحكام، لكنها تقرأ المشهد
لجان تستمر
• خطابات تُرسل
• تعاميم تصدر
• نشاط يُدار
والحكم القضائي لا يظهر في أي زاوية من هذا المشهد.
فتتكون القناعة الأخطر:
أن الحكم صدر… لكن لم يتغير شيء.
المأزق الذي لا ينتبه له الاتحاد
الذي يحدث اليوم لا يضع الاتحاد في مواجهة خصومه…
إنه يضعه — من حيث لا يدري — في مواجهة نصوص القانون ذاتها.
فالقانون لا ينظر إلى النوايا، ولكنه ينظر إلى الأفعال.
والأفعال عندما تخالف مقتضى حكم قضائي، تفتح أبوابًا قانونية لا يمكن التحكم في مآلاتها لاحقًا.
الخلاصة المؤلمة
المشكلة ليست في مخالفة صريحة للحكم…
إنها في طريقة التعامل معه بحيث يصبح عديم الأثر.
وهذا سلوك لا يحتاج تصريحًا… يكفي أن يُرى.

واهلك العرب قالوا:

العدلُ ليس كلامًا يُقال
إنه فعلٌ يُرى وأثرٌ يُنال
وإذا ضاع أثر الحكم بين الناس
ضاع معنى الحكم ولو كُتب ألفَ مرّات
إن شر النفاق ما داخلته أسباب الفضيلة، وشر المنافقين قومٌ لم يستطيعوا أن يكونوا فضلاء بالحق؛ فصاروا فضلاء بشئ جعلوه يشبه الحق

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
XFacebookYoutubeInstagram
error: محمي ..