قمة القياس… اجتياز المريخ لاختبار رواندا

أبو بكر الطيب
التحية لجمهور “الصفوة” الوفي، الذي تعلّم مع السنوات أن ينظر إلى القمة بعينين: عينٍ تعشق الانتصار، وأخرى تفتش عن المعنى.
لقاء اليوم بين نادي المريخ ونادي الهلال إنه ترمومتر حقيقي لمشروع إعادة البناء الذي خاضه المريخ في الأراضي الرواندية، واختبار صريح لما إذا كانت الأموال التي صُرفت، والجهود التي بُذلت، قد تحولت إلى منظومة قادرة على الصمود في أعلى درجات الضغط.
نكتب هنا بروح التقييم. فالقمة، في هذا التوقيت تحديدًا، تعتبر مباراة لمحطة قياس.
أولاً: المباراة كـ “كاشف فني”
الدوري الرواندي لم يكن نزهة، فهو مختبرًا لصقل عناصر جديدة ودمجها مع الهيكل الأساسي. لكن الفارق كبير بين مباريات منتظمة الإيقاع، ومباراة قمة تُلعب تحت بند التوقعات وحرارة التنافس التاريخي.
السؤال الأول الذي سيجيب عنه اللقاء:
هل تحقق الانسجام تحت الضغط؟
فالانسجام في بيئة مستقرة شيء، والانسجام في مواجهة خصم تقليدي يقرأ أنفاسك شيء آخر. هنا تُختبر الشخصية، لا اللياقة فقط.
السؤال الثاني:
هل للمريخ هوية فنية واضحة؟
هل نرى فريقًا يستحوذ بثقة؟ أم يعتمد على التحول السريع؟ أم يلعب بتوازن دفاعي محكم؟
المباريات الكبرى تكشف الحقيقة المجردة. فلا يمكن إخفاء ضعف التمركز، ولا بطء التحول، ولا خلل الربط بين الخطوط.
إذا خرجنا من القمة ونحن نعرف “من هو المريخ فنيًا”، حتى وإن لم تبتسم النتيجة، فذلك مكسب في مشروع البناء.
ثانيًا: بين جاهزية الاستقرار وطموح التجديد
يدخل الهلال اللقاء وهو يملك قدرًا من الاستقرار النسبي في عناصره، بينما يدخل المريخ بروح التجديد وإعادة الهيكلة.
هنا تتجلى المفارقة:
الاستقرار يمنح ثباتًا، لكن التجديد يمنح طاقة.
والقمة تحسمها المعادلة بين هذين العاملين.
إن كانت لجنة التسيير قد أحسنت الاختيار، وصرفت الأموال في مواضعها، فسنرى فريقًا أكثر صلابة في التمركز، وأسرع في التحول، وأهدأ في إدارة اللحظات الحرجة.
أما إن كان البناء لم يكتمل، أو شابه خلل في التخطيط، فستظهر الفجوات في المساحات بين الخطوط، وفي لحظات التردد أمام المرمى.
ثالثًا: الأثر النفسي… حين تتقاطع الإدارة مع الأداء
لا يمكن عزل ما يحدث إداريًا عن الحالة الذهنية للاعبين.
الاضطراب في المكاتب، والجدل حول القرارات، والأحاديث عن الهزائم الإدارية… كلها ظلال تمتد إلى غرفة الملابس.
اللاعب المحترف قد يفصل، نعم، لكن الأجواء المشحونة لا تمر دون أثر.
القمة تختبر التركيز الذهني بقدر ما تختبر الجاهزية البدنية.
إن ظهر الفريق متماسكًا، منضبطًا، غير متوتر في الدقائق الأولى، فذلك يعني أن الجهاز الفني نجح في تحصين اللاعبين نفسيًا.
أما إذا بدا الارتباك سيد الموقف، فستكون تلك إشارة إلى أن الإخفاقات الإدارية تركت ندوبًا داخلية.
رابعًا: ما بعد الصافرة… قراءة لا انفعال
على جمهور الصفوة أن ينظر إلى المباراة بوصفها “لوحة قياس” لا “محكمة نهائية”.
• إذا تحقق الفوز:
فهو إعلان عملي أن مشروع رواندا أثمر، وأن العناصر الجديدة باتت قادرة على حمل الراية. سيكون الفوز حينها دفعة معنوية تختصر نصف الطريق في مشوار البطولات القادمة.
• إذا جاءت النتيجة بغير ما نشتهي:
فليست نهاية المشروع، ولكن تقرير ميداني صريح يكشف الثغرات. البناء الحقيقي لا يُهدم بخسارة، وإنما يتعزز بتشخيص دقيق.
العقلانية تفرض علينا أن نسأل:
هل رأينا تنظيمًا دفاعيًا محكمًا؟
هل كانت التحولات الهجومية سريعة وفعالة؟
هل ظهر وسط الملعب قادرًا على فرض إيقاعه؟
هذه المؤشرات أهم من النتيجة المجردة.
كلمة للصفوة… وكلمة للمجلس
هذه المباراة هي الترمومتر الحقيقي لقياس جدوى ما صُرف من أموال وما بُذل من جهد.
فإما أن تكون استثمارات في مشروع مستدام، أو أن تكون دروسًا مكلفة في فن الإدارة.
المريخ في حوجة انتصار يعزز جدارته وريادته بعيدا عن العاطفة ويحتاج استمرارية. تمنحه تميزه وتفرده
لا يحتاج فرحة لحظية، وإنما يحتاج هوية راسخة.تؤكد تاريخه
نعم، نتمنى الفوز المؤزر، ونرجوه، وندعو له…
لكن كما تعلمنا: الأمنيات لا تبني فرقًا، والعمل والجد والاجتهاد وحده يصنع الفارق.
واهلك العرب قالوا:
ليس نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا”
وفي ميادين القمم، كما في دروب الحياة، لا يُمنح المجد لمن ينتظره… ولكن لمن يستحقه
والله المستعان
