مفارقات افتتاح دوري النخبة… حضور القائد وغياب أهل الشأن

د. عبد الكريم الهاشمي
في مشهد حمل كثيرًا من الرمزية والدلالات، شرّف السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام لقوات الشعب المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، افتتاح منافسات الدوري الممتاز “بطولة النخبة” باستاد كوبر بمدينة بحري، ودار الرياضة بأمدرمان، وسط حشود جماهيرية احتفت بالحدث وهتفت بصوتٍ عالٍ: “جيشٌ واحد… شعبٌ واحد”.
لم تكن مشاركة القائد العام في هذا المحفل، افتتاح دوري النخبة، مجرد مشاركة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في توقيت استثنائي تعيشه البلاد، ليبعث برسائل تتجاوز حدود الرياضة إلى فضاءات الوطن الأوسع. فقد أدرك المواطن السوداني، وهو يرى رئيس الدولة بين الجماهير، أن القيادة السياسية والعسكرية لا تنعزل عن شعبها، ولا تلوذ بالمكاتب المغلقة رغم التحديات الأمنية ومحاولات الإرهاب بالمسيرات والاستهداف الممنهج لمقدرات البلاد، حيث بعث ذلك الحضور الأنيق والواثق في النفوس شيئًا من الطمأنينة، ورسّخ معاني الثبات، وأكد أن الدولة ما تزال قادرة على صناعة الحياة، وأن الملاعب، كما الجبهات، ميادين للصمود والانتصار. فالتنافس الرياضي في مثل هذه الظروف ليس ترفًا، بل رسالة حياة، وإعلانًا بأن السودان عصيٌّ على الانكسار مهما اشتدت المحن.
وقد بدا واضحًا حجم التفاعل الشعبي مع هذه اللفتة البارعة من رئيس مجلس السيادة، إذ استقبلت الجماهير القائد العام بحفاوة بالغة، وتعالت الهتافات الوطنية التي عبّرت عن التفاف الشعب حول قواته المسلحة في معركة الكرامة.
غير أن من المفارقات اللافتة التي أثارت دهشة المتابعين، الغياب الكامل لقيادات الاتحاد العام لكرة القدم “المغتربين” عن حفل الافتتاح، رغم وجود بعضهم داخل السودان، وفي مقدمتهم نائب رئيس الاتحاد الأستاذ أسامة عطا المنان، ورئيس لجنة المسابقات الأستاذ محمد سليمان حلفا. ذلك الغياب لم يكن حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة أن المناسبة تُعد من أكبر التظاهرات الرياضية الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة. فحين يغيب أهل الشأن عن منصة الحدث، يفتح ذلك أبواب التأويل والتساؤلات على كل مصاريعها: هل هو عزوف متعمّد؟ أم تخوف من مواجهة الشارع الرياضي؟ أم أنه انعكاس لحالة الجفوة المتراكمة بين الاتحاد والجماهير الرياضية والأندية؟
لقد ظل الاتحاد العام لكرة القدم، ولسنوات طويلة، محل انتقادات واسعة بسبب قرارات وُصفت بالمرتبكة والمجحفة والمنحازة، وانتقادات أخرى تتهمه بالفساد المالي والإداري، الأمر الذي أوجد حالة من الاحتقان داخل الأوساط الرياضية، وعمّق فجوة الثقة بين القواعد الرياضية وقيادات الاتحاد. ولذلك فإن غيابهم عن مناسبة رياضية بهذا الحجم لا يمكن فصله عن حالة التوتر والرفض الشعبي التي باتت تلاحقهم في معظم المحافل الرياضية.
وكان المنتظر من قادة الاتحاد أن يكونوا في مقدمة الحضور، دعمًا للرياضة الوطنية، واحترامًا للجماهير، وتقديرًا لرمزية الحدث، وتأكيدًا لمناصرة قوات الشعب المسلحة، لا أن يتركوا مقاعدهم شاغرة في أمسية أراد لها السودانيون أن تكون ليلة وحدة وأمل واستعادة للعافية.
إن افتتاح دوري النخبة بحضور القائد العام لم يكن مجرد صافرة بداية لبطولة كروية، بل كان إعلانًا بأن السودان، رغم جراحه، ما يزال قادرًا على الفرح، وعلى الاجتماع حول راية الوطن. وبين حضورٍ صنع الطمأنينة في قلوب الناس، وغيابٍ أثار الريبة وكثيرًا من علامات الاستفهام، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشعوب لا تنسى من يقف معها في أوقات المحن، كما لا تغفل عمّن يختار الغياب في ساعة الواجب.



