حين يصبح الصراخ إعلامًا.. الملف الأحمر للتجنيس والحملة غير الموضوعية لبعض المنصات المريخية!

وائل عبدالخالق مالك
لا أحد يشكك في حق أي إعلامي أو متابع أن يبدي رأيه في ملف التجنيس بالكرة السودانية. هذا حق مشروع، بل ومطلوب. لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين صحفي يطرح سؤالًا مشروعًا ويبحث عن إجابة، وبين منصات باتت تتعامل مع كل شيء في كرة القدم السودانية وكأنه مؤامرة في حق المريخ تستوجب الحملات غير الموضوعية والمحاكمة العلنية.
ما يجري منذ فترة في بعض المنصات الإعلامية غير الرسمية المحسوبة على المريخ لا يمكن تسميته نقدًا رياضيًا بأي معيار. الخطاب تحول إلى تعبئة مستمرة، والملف الرياضي يحاول البعض تحويله إلى بؤرة توتر سياسية بامتياز في قضية التجنيس بالأندية السودانية.
قبل كل شيء، التجنيس الرياضي ظاهرة عالمية موثقة تمارسها دول كثيرة حول العالم. قطر جنست لاعبين لبناء منتخبها. البحرين فعلت الشيء ذاته. المغرب يستدعي بانتظام أبناء الجاليات من أوروبا. وفرنسا نفسها بنت منتخبها الحائز على بطولتي كأس العالم 1998 و2018 على تنوع إثني واسع. لا أحد في هذه الدول دخل في أزمة هوية وطنية بسبب قرار يتعلق بجواز سفر لاعب. أما في السودان فيبدو أن الأمر مختلف نتيجة التعصب والانحياز الأعمى.
أثارت قضية منح الجنسية للاعبين المحترفين في الأندية السودانية موجة واسعة من الاتهامات من بعض الإعلاميين المريخيين. من المعروف أن بعض الأندية تلجأ إلى خيار التجنيس للتحايل على لوائح الاتحاد العام لكرة القدم التي تلزم الأندية بتسجيل عدد محدد من اللاعبين الأجانب. وهذه المسألة الإجرائية مشروع أن تُناقش، لكن أن تتحول إلى حرب كلامية يومية ضد مؤسسات الدولة فهذا شيء آخر تمامًا.
وقبل أن يذهب أحدهم بعيدًا في نظريات التحيز، ثمة سؤال بسيط يستحق التوقف عنده: هل يعقل فعلًا أن مؤسسات الدولة السيادية المعنية بملفات التجنيس تتعمد إعاقة المريخ لصالح غريمه التقليدي الهلال؟ هذا الطرح لا يصمد أمام أي منطق، ومجرد اعتقاده يعكس حجم الاحتقان الذي بلغه بعض الإعلاميين المريخاب المتشنجين.
الحقيقة التي لا يريد أصحاب الضجيج الاعتراف بها هي أن صعوبة التجنيس في هذه المرحلة تحديدًا تعود إلى سبب مختلف تمامًا، بل هي في جوهرها دليل على نجاح إدارة النادي لا فشلها. نجاح إدارة المريخ في انتداب محترفين أجانب من عيار ثقيل يلعبون أساسيين في منتخبات بلادهم الأولمبية أو الرسمية هو بالضبط ما يجعل تجنيسهم أمرًا متعذرًا أو شبه مستحيل. فهل هذه مصيبة تستحق البكاء؟ أم أنها في حد ذاتها شهادة على جودة ما يفعله مجلس الإدارة في سوق الانتقالات؟
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن قسمًا من هذه المنصات التي تتبنى هذه الحملة الهوجاء كانت في السابق تحتفي بكل لاعب أجنبي يرتدي قميص المريخ ويصنع الفارق في الملعب. لم يكن أحد يسأل عن الجنسية حين تأتي الانتصارات، فالمريخ نفسه سعى في مراحل سابقة إلى تجنيس عدد من لاعبيه الأجانب لضمان مواصلتهم مع الفريق وإتاحة مشاركتهم بوصفهم لاعبين وطنيين. وهذا ما تفعله أندية كثيرة حول العالم. لكن الإشكالية أن يُنكر اليوم ما كان مقبولًا بالأمس فقط لأن الخصم هو من يستفيد.
ثمة ما هو أخطر على المريخ نفسه في الحملة الموجهة ضد ملف التجنيس، وهو الأثر المباشر لهذه الحملات على المريخ ذاته. النادي الذي يعيش العواصف الإعلامية المتواصلة لا يستطيع بناء مشروع فني مستقر. والمريخ يواجه منذ فترة ليست بالقليلة تحديات متراكمة على صعيد الجهاز الفني والإداري، في وقت يحتاج فيه إلى قرارات جريئة لاستعادة مكانته التاريخية في الكرة الأفريقية والعربية. فهل تساعد هذه الضجة على ذلك؟ أم أنها تضيف أزمة فوق أزمة؟
اللاعبون يتأثرون بما يقال عنهم وعن ناديهم. الأجهزة الفنية تتشتت حين تجد نفسها في دوامة ردود الفعل بدلًا من التركيز على الملعب. والإدارة التي تجد نفسها تقضي وقتًا في تفسير مواقفها والدفاع عن قراراتها أكثر مما تخطط للمستقبل ستفشل، وتتعطل كفاءتها بسبب إعلام طائش لا يعي دوره.
النقد ضرورة لا أحد ضده. ولكن بين الصحفي الرياضي الذي يطرح أسئلة صعبة ويبحث عن إجابات موثقة، وبين الناشط الإعلامي الذي يقيس الأمور بمقدار الصراخ وعدد المشاهدات، مسافة شاسعة. الأول يبني والثاني يحرق.
المريخ نادٍ له تاريخ حقيقي وجمهور حقيقي وطموحات حقيقية. لا يستحق أن يُحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات، ولا إلى وقود يغذي منصات تبحث عن التفاعل بأي ثمن. ما يحتاجه اليوم هو هدوء يتيح له التخطيط، وإعلام رياضي مسؤول يدفعه إلى الأمام، لا صراخ يثقل كاهله ويبعده عن أهدافه.



