من المدرجات

تعادل بطعم الخسارة

آدم عبد الله حمّاد

مباريات المريخ والهلال تتوقف عندها لغة الحسابات ولا تخضع للجاهزية ولا الضعف لأن القمة حالة من الشغف الوطني وعنوان طويل للعشق والانتماء والتاريخ مباراة تولد معها الأحلام وتشتعل معها “المدرجات” داخل او خارج الوطن وتخفق لها القلوب قبل صافرة البداية بأيام لذلك كان كلاسيكو كيغالي مختلف في كل شيء في ظروفه ومكانه وأحاسيس جماهيره التي تابعت اللقاء وداخلها حنين موجع للوطن وللملاعب السودانية التي غيبتها الحرب وأرهقتها الظروف القاسية.

ولأن الحرب سرقت من الناس أشياء كثيرة فقد سرقت أيضاً دفء القمة الحقيقية داخل أرض السودان وجعلت قطبي الكرة السودانية يرحلان بمبارياتهما إلى الملاعب الرواندية في مشهد يحمل كثير من الحزن والكبرياء في ذات الوقت حزن لأن الكرة السودانية أصبحت تبحث عن مأوى خارج حدود الوطن وكبرياء لأن الأندية ظلت تقاتل من أجل استمرار المنافسة وإبقاء الروح حية داخل جماهير أنهكتها الأخبار القاسية وبرغم البعد والغربة أثبتت جماهير المريخ أنها لا تعرف الانكسار فظلت خلف فريقها بالحلم ذاته والهتاف ذاته والعشق ذاته حتى بعد أن عاد للوطن.

دخل المريخ اللقاء وكأنه يدرك أن هذه المباراة لا تقبل إلا الإنتصار وأن الانتصار لذلك ظهر الفريق بشخصية قوية منذ الدقائق الأولى ضغط مبكر، انتشار ممتاز، رغبة واضحة في السيطرة وتحركات منحت الهلال شعور مبكر بالخطر كان المريخ أكثر حيوية وأكثر شراسة وأكثر رغبة في كتابة عنوان القمة باللون الأحمر.

وجاء الهدف الأول ليؤكد هذا التفوق حين نجح الإيفواري قباني في هز الشباك بعد لقطة جسدت الإصرار والرغبة والقوة هدف أشعل “المدرجات” الحمراء وأطلق العنان للأحلام لأن المريخ وقتها كان الطرف الأفضل والأقرب لفرض سيطرته الكاملة على المباراة الجماهير شعرت أن فريقها يملك القدرة على قتل اللقاء مبكر خاصة مع الحالة المعنوية العالية والانضباط التكتيكي الذي ظهر به اللاعبون في البدايات.

وكان بإمكان المريخ أن يضاعف النتيجة لو أحسن استغلال الفرص التي لاحت له لأن الهلال بدا مرتبك في فترات كثيرة وعانى أمام سرعة التحول الأحمر والضغط المتواصل لكن المريخ وقع في الخطأ الذي كثيراً ما عاقبته عليه كرة القدم حين تراجع بعد الهدف ومنح منافسه فرصة العودة التدريجية إلى أجواء اللقاء.

القمة لا ترحم وأي لحظة شرود تتحول إلى عقاب قاسٍ يضيع النصر وهذا ما حدث تماماً فالهلال لم يحتج إلى أفضلية كاملة بقدر ما احتاج إلى هدية أعادته للمباراة ليستغل الأخطاء ويخطف هدف التعادل وسط حسرة جماهير المريخ التي كانت ترى الانتصار قريباً للغاية لذلك لم يكن التعادل عادياً بل جاء بطعم الخسارة، لأن الأحمر كان الأقرب للفوز والأكثر قدرة على حسم المواجهة لو حافظ على شخصيته حتى النهاية.

وبرغم ذلك فإن ما يقدمه المريخ في دوري النخبة يؤكد أن الفريق بدأ يستعيد الكثير من ملامحه القوية فريق اول او رديف هناك روح قتالية ورغبة في الانتصار وشخصية ظهرت في عدة مباريات لكن ما ينقص الفريق هو القدرة على إدارة اللحظات الحاسمة بعقلية البطل لأن البطولات الكبرى لا تعترف بمن يسيطر فقط بل بمن يعرف كيف يحافظ على تفوقه حتى صافرة النهاية.

وفي خضم هذه الأجواء يبقى ملف التجنيس وسياسات الاتحاد السوداني واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الوسط الرياضي فالجماهير باتت تشعر أن هناك حالة من المجاملة الواضحة للهلال في بعض القضايا بينما تُقابل بقية الأندية بتعقيدات وتأخير وتشدّد يثير كثيراً من علامات الاستفهام والعدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تكون اللوائح واحدة على الجميع، بلا استثناءات ولا محاباة ولا حسابات ضيقة تضر بصورة المنافسة السودانية.

ومع عودة الأندية إلى الوطن، يبقى الأمل كبيراً في أن تستعيد الكرة السودانية عافيتها وأن يعود المريخ إلى جماهيره وقلعته الحمراء أكثر قوة وصلابة فالمريخ حالة عشق لا تنطفئ وجمهور لا يعرف سوى لغة القمة. لذلك كان التعادل موجعاً لأن الأحمر كان قادراً على الانتصار ولأن جماهيره تؤمن دائماً أن المريخ خلق ليكون في المقدمة لا ليكتفي بنقطة كان يمكن أن تتحول إلى ليلة فرح كبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..