أخبار

آخر العلاج… الكي

آدم عبدالله حمّاد

أصاب الشارع المريخي نوع من الإحباط خاصة بعد الخسارة الأخيرة، وهي تتجاوز تعثراً بسيطاً أو كبوة جواد، إذ إن ما يحدث هو انكشاف كامل لحقيقة مرة ظل البعض يهرب منها طويلاً؛ خسارة تعدت كسر سلسلة اللاهزيمة إلى كسر الهيبة وفضح واقع هش كان يتغطى بنتائج مخادعة، لفريق يفتقد القتالية ويفتقر للطمانينة. الخسارة وقعت لجهل المريخ بمراده، فهو فريق يدخل المباريات وكأنه يؤدي واجب، ويعجز عن خوض معركة؛ لاعبون يتحركون في الملعب بتيه، محرومين من الشراسة، ومجردين من الإحساس بقيمة الشعار الذي على صدورهم، فالأداء أصبح بارداً لدرجة الاستفزاز وكأن الهزيمة أمر اعتيادي.

وعند غياب الروح يضحى التكتيك منسياً، وعند غياب الانتماء يصبح البحث عن الانتصارات عدمياً، فالمشكلة تتخطى مباراة أو مدرباً، لتشمل منظومة كاملة فقدت بوصلتها؛ إدارة تتخبط، وقرارات متناقضة، وصراعات داخلية تُدار خلف الكواليس وتنعكس مباشرة داخل الملعب، مع انعدام الاستقرار الحقيقي وغياب الرؤية الواضحة، وسيطرة محاولات يائسة لشراء الوقت والزمن لا يرحم. المريخ أصبح نادياً يستهلك نفسه بنفسه؛ صراع على النفوذ، شد أطراف، تسريبات، وتكتلات، وكل طرف يعتقد أنه الأحق، بينما الكيان نفسه ينزف، إذ غاب سؤال ماذا قدمنا للمريخ، وساد سؤال ماذا أخذنا منه. هذا الواقع المختل خلق بيئة طاردة للنجاح، فحتى من يريد العمل يفتقد الأرضية، ومن يحاول البناء يواجه المحاربة أو الإقصاء، والنتيجة فريق فاقد للاستقرار، عديم الهوية، وبلا مشروع.

وهنا ينتهي مجال التجميل والوعود والمسكنات، فالكي هو الحل وآخر العلاج. الكي في الإدارة يتطلب تنظيفاً حقيقياً، ومواجهة بلا خوف، وإبعاد كل من يضع مصلحته فوق مصلحة النادي، فالمريخ يحتاج رجالاً يتحملون المسؤولية بعيداً عن الأسماء. والكي في الجهاز الفني يقتضي رفع الحصانة عن الجميع، بحيث يُبنى الاستمرار أو الرحيل على العمل بمعزل عن العلاقات، فالمريخ أكبر من أن ينتظر أحداً ليتعلم على حسابه. والكي في اللاعبين يستوجب غربلة شاملة، فمن يقصر في القتال، ومن يفتقد الاحتراق داخل الملعب، ومن يجهل قيمة الشعار، فالباب مفتوح أمامه، فالمريخ يرفض الإدارة بالعواطف. والكي في الإعلام المحيط يمنع تجميل القبح وتسويق الوهم وتخدير الجماهير بشعارات فارغة، فالحقيقة يجب أن تُقال مهما كانت موجعة. والكي في ثقافة النادي نفسها ينهي ثقافة الرضا بأنصاف الحلول والقبول بالأداء الباهت والتبرير المستمر، فهذه الثقافة هي أصل الداء.

بل أكثر من ذلك، المريخ يحتاج إلى ثورة داخلية تعيد تعريف كل شيء؛ من يقود، ومن يلعب، ومن يقرر، وكيف يُدار هذا الكيان. يستحيل استمرار نفس الوجوه بنفس العقلية وتوقع نتائج مختلفة، وإن استمر هذا الحال فالقادم أسوأ لأن الفرق تتآكل ببطء حتى تنهار قبل السقوط المفاجئ. الجماهير التي تعشق هذا الأحمر بدأت تفقد صبرها، والثقة التي كانت تمنح بلا حدود آخذة في التآكل، والمريخ إن خسر جمهوره فقد خسر كل شيء. المريخ الآن أمام اختبار شجاعة يتعدى اختبار القدرات؛ هل يملك الجرأة ليواجه نفسه؟ هل يملك القوة ليقطع مع الفشل؟ هل يملك القرار ليُضحي من أجل البقاء؟ إن غاب ذلك الآن فالمعجزات ستغيب. لأن النار التي نخاف منها اليوم قد تكون هي نفسها التي تُنقذ ما تبقى، وإن تركنا الكي فسندفن تحت رماد هذا الانهيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..