من المدرجات

عصا داركو نوفيتش

آدم عبد الله حمّاد

صحيح أنّ “داركو” لا يملك عصا موسى ليستطيع تحريك الساكن في لحظة، ولا يملك تلك اللمسة السحرية التي تحول فريقًا متعبًا ومليئًا بالإصابات إلى كتيبة لا تُهزم بين ليلة وضحاها. واقع المريخ الحالي أكثر تعقيدًا من أن يُحل بقرار فني أو تغيير في التشكيلة أو التوليفة، فالفريق يعاني من عدم تجانس واضح بين عناصره، ومن غيابات مؤثرة، إضافة إلى ضغط المباريات وتذبذب الأداء. كل ذلك يجعل مهمة أي مدرب، مهما بلغت قدراته، أقرب إلى إعادة بناء تدريجية وصناعة معجزة فورية.

ومع ذلك، تُحسب لداركو تلك الخطوة الجريئة والمباشرة حين خرج عبر الصفحة الرسمية وخاطب الجماهير “المريخاب” بشفافية غير معتادة، واضعًا النقاط على الحروف دون مواربة. لم يختبئ خلف الأعذار، ولم يكتفِ بالحديث العام، بل شرح بوضوح ما قام به خلال الفترة الماضية وما يسعى لتنفيذه في المرحلة القادمة. هذا النوع من التواصل يخلق حالة من التفاهم مع الجماهير، ويشعرها بأنها جزء من المشهد، كما أنه يرفع سقف المسؤولية عليه شخصيًا، لأن من يصرّح بخططه علنًا يصبح مطالبًا بتنفيذها على أرض الواقع.

حديث داركو عن المستقبل حمل في طياته إشارات واضحة إلى أنه يعمل وفق رؤية تمتد لما هو أبعد من النتائج الآنية، وأنّه “باقٍ” ويريد أن يضع بصمته على الفريق بشكل تدريجي، وهو أمر إيجابي إذا ما توفرت له البيئة المناسبة. فالمريخ ظل لسنوات يعاني من تغييرات مستمرة على مستوى الأجهزة الفنية، وهو ما أضاع ملامح الهوية الفنية للفريق، وجعل كل مدرب يأتي يبدأ من الصفر دون أن يُكمل ما بدأه من سبقه، ويذهب ليأتي غيره، ومزيد من عدم الاستقرار الفني.

لكن، ورغم وضوح الرؤية التي يتحدث بها داركو، فإن تركيزه الكبير على “الدوري الرواندي” يثير الكثير من التساؤلات لدينا. صحيح أنَّ

المشاركة هناك فرضتها ظروف توقف النشاط والحرب، لكن وجدان “المريخاب” ما زال مرتبطًا بالدوري السوداني باعتباره المعيار الحقيقي للتفوق المحلي، والطريق المباشر للعودة القوية إلى البطولات الأفريقية. فالمريخ يجب أن يستعد للسوداني بالرواندي بحضوره وهيبته، ثم ينعكس ذلك على مشاركاته القارية، خاصة في ظل طموحات المنافسة في البطولات الأفريقية، وليت المريخ يشارك في الكونفدرالية.

اعتماد داركو في تقييم فريقه على المباراة الأخيرة فقط يبدو أمرًا يحتاج إلى مراجعة. فكرة القدم لا تُقاس بمباراة، ولا نبني الحكم فيها على 90 دقيقة، خصوصًا عندما يكون الفريق قد عانى طويلًا من مشاكل واضحة. نعم، ثلاثية “فينو” منحت الفريق دفعة معنوية كبيرة وخففت الضغط عن الجهاز الفني، لكنّها في الوقت ذاته قد تعطي انطباعًا مضللًا إذا لم تُقرأ في سياقها الصحيح. فالمريخ ما زال يعاني هجوميًا، برغم الأهداف الثلاثة، وما زالت فرصه الضائعة أكثر من أهدافه، وما زال بحاجة إلى مهاجم حاسم ينهي الهجمات بثقة واستمرارية.

كما أنّ الصورة العامة للفريق تُظهر تباينًا في الأداء بين مباراة وأخرى، خاصة أن الفريق يتعادل أكثر مما ينتصر، وهو ما يؤكد أن العمل لم يكتمل بعد. هناك تحسن نسبي في بعض الجوانب مثل الانتشار داخل الملعب ومحاولات بناء اللعب، لكن في المقابل ما زالت الأخطاء الدفاعية حاضرة، والربط بين الخطوط يحتاج إلى مزيد من الانسجام.

لا أحد يطلب من “داركو نوفيتش” أن يصنع المستحيل، فالمتابع يدرك ما مرّ به الفريق، ولا أن يكون صاحب عصا سحرية تنهي كل الأزمات بضربة واحدة، لكن فقط من حق الجماهير أن ترى مؤشرات حقيقية للتطور، وأن تلمس عملًا واضحًا يتقدم خطوة بعد خطوة. تريد فريقًا يقاتل داخل الملعب، يمتلك شخصية، ويعرف كيف يفرض أسلوبه، لا فريقًا يعيش على ومضات فردية أو انتصارات عابرة أو تاريخ غابر.

ومن حقنا أيضًا أنْ نحلُم بمريخ يعود كما كان، قويًا ثابتًا، لا تهزه الظروف ولا تعيقه التحديات. نحلم بمريخ لا يُقهر، ليس بالمعجزات، بل بالعمل الجاد، والتخطيط السليم، والاستقرار الذي طال انتظاره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..