الرأي

المريخ من التاريخ إلى المؤسسة 2-8.. رسائل في بريد مجلس التسيير

e91f3c741d8f4df285464bdfe7a3a4cc removebg preview

وائل عبدالخالق مالك

في المقال الأول كان السؤال الأساسي هو كيف يتحول المريخ من نادٍ يعيش على التاريخ والجماهير إلى مؤسسة رياضية احترافية قادرة على الاستمرار؟ تحدثنا عن خطورة الاعتماد على العاطفة وحدها وعن الأندية التي انهارت لأنها بنت نجاحها على ردود الأفعال لا على المؤسسات. واليوم يصبح السؤال أكثر تحديداً وهو كيف تدار الأندية الكبرى حين لا تملك رفاهية الإنفاق المفتوح؟ وكيف تصنع بعض الأندية المجد الكروي بعقل إداري قبل أن تصنعه بالأموال والنجوم؟

في عام 1988 عين نادي أياكس الهولندي يوهان كرويف مستشاراً رياضياً. لم يكن القرار فنياً بحتاً بل كان رسالة مؤسسية مفادها اننا نريد شخصاً يفهم هوية النادي قبل أن يقترح خطواته. ما تلا ذلك على مدار عقد كامل كان معجزة إدارية بكل المقاييس حيث حقق أياكس بطولة دوري أبطال أوروبا 1995 وخرج أجيال متعاقبة من أفضل لاعبي العالم وكل ذلك بميزانية لا تقارن بما تنفقه الأندية الإنجليزية والإسبانية. السر لم يكن المال بل كان النظام.

ما يصنع نظام أياكس هو وضوح هيكله المؤسسي الذي يتكون من مجلس إشراف مستقل يراقب الإدارة التنفيذية دون أن يتدخل في قراراتها اليومية وفصل تام بين الكفاءة المنتخبة والكفاءة المعيّنة ولجان متخصصة تعمل كأجهزة استشعار مبكر للمشكلات قبل أن تتفاقم.

المريخ يحتاج الي فصل السلطات داخل المجلس. مجلس الإدارة ينبغي أن يتحول من هيئة تنفيذية إلى هيئة إشرافية استراتيجية. القرارات التشغيلية اليومية من إدارة التدريب إلى الحسابات المالية تفوض إلى مديرين تنفيذيين متخصصين يخضعون للمجلس ولا يتجاوزونه. هذا التمييز يمنع تركز السلطة في يد شخص واحد ويفتح المجال أمام المحاسبة الفعلية. كذلك يحتاج المريخ الي تفعيل عمل اللجان المتخصصة كأداة عمل حقيقية لا زينة هيكلية. لجنة التدقيق المالي يجب أن تضم محاسباً قانونياً مستقلاً من خارج دائرة النادي ومهمتها إصدار تقرير ربع سنوي يرفع للأعضاء. لجنة الشؤون الرياضية تتألف من خبراء في الإدارة الرياضية ومختصين في تطوير اللاعبين ومهمتها مراجعة الخطط الفنية لا صناعتها. لجنة التسويق والعضوية تضع الاستراتيجية التجارية للنادي وتتابع تنفيذها. هذه اللجان لا يجب أن تكون تشريفية بل هي الآلية التي تجعل المجلس قادراً على الإشراف على عمليات متشعبة دون الغرق في التفاصيل.

تنقيح وتعديل اللائحة الداخلية كدستور ملزم. ما يجب أن يحمي المريخ من الانتكاسات المؤسسية ليس حسن نوايا أعضاء مجلسه بل وجود نظام داخلي محكم يحدد صلاحيات كل جهة وآليات اتخاذ القرار وضمانات الشفافية. هذه اللائحة يتم عرضها على الجمعية العمومية للتصويت عليها وتصبح وثيقة ملزمة يخضع لها كل من يشغل منصباً في النادي بمن فيهم رئيس مجلس الإدارة.

أهم مقومات الحوكمة لأي مؤسسة لا سيما الأندية الرياضية هي الشفافية كسياسة لا كاختيار. أوضح مقال على ذلك هو التقرير السنوي المفصل الذي يصدره نادي برشلونة الأسباني لأعضائه والذي يشمل كل بند مالي وكل قرار استراتيجي وكل مؤشر أداء. هذا يعزز ثقة الأعضاء ويعطي المجلس شرعية تمكنه من طلب الدعم حين يحتاجه. النادي الذي يطلب من جمهوره المال دون أن يطلعه على كيفية إنفاق ما سبق لن يحصل طويلاً على ما يطلب.

المقارنة الأقرب جغرافياً ربما تكون مع النادي الأهلي المصري الذي بنى في العقد الأخير منظومة حوكمة أكثر رسوخاً من أي وقت مضى. الفصل بين الجمعية العمومية ومجلس الإدارة والجهاز التنفيذي واضح ومكتوب. هذا الوضوح هو ما أتاح للنادي إدارة ملفات التعاقد والبطولات الأفريقية بكفاءة تزداد مع كل موسم. لا يلزم المريخ نسخ النموذج المصري حرفياً لكن أخذ مبدأ الفصل المؤسسي والتطبيق الانتقائي وفق السياق السوداني يبدو ممكناً ومنطقياً.

المشكلة الحقيقية في الأندية السودانية ليست نقص الحماس ولا ضعف الانتماء بل غياب المؤسسة التي تستطيع تحويل هذا الانتماء إلى قوة إنتاج واستقرار ونمو. ولهذا فإن معركة المريخ القادمة ليست فقط في الملعب بل في غرفة الاجتماعات أيضاً.

نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..