فرق تسد

ادم عبد الله حماد
في زمن يفترض فيه أن يكون الاتحاد هو الحاضن الأول للمنتخب الوطني يظهر المشهد مقلوب رأساً على عقب اتحاد يلوذ بالصمت وكأن ما يدور لا يعنيه منتخب أول يترك وحيداً يصارع الظروف ويبحث عن نفسه وسط ضباب الإهمال وكأن من يمثل الوطن فقد قيمته داخل أروقة من يفترض أنهم حراسه
المنتخب الذي أعاده المدرب الغاني كواسي أبياه من العدم إلى دائرة الضوء وصنع منه قصة تروى عاد اليوم ليواجه ذات العقلية التي لا ترى أبعد من مقعدها فبعد أن صار المنتخب حديث الشارع الرياضي ونجح في كسب احترام الخارج قبل الداخل يعود الاتحاد ليمارس هوايته المفضلة الصمت القاتل.
قرار رفض مواجهة الأرجنتين دون مبرر هو عنوان لفوضى إدارية وغياب رؤية ورسالة واضحة بأن هذا الاتحاد لا يجيد سوى إغلاق الأبواب وترك الجماهير في دوامة من التساؤلات نفس الاتحاد الذي صمت على قضايا أكبر وأخطر وعلى رأسها أموال المريخ لدى الكاف والذي استلمها بحجة الازدواجية وتعامل معها وكانها تخصه.
وفي خضم هذا الواقع البائس تتجلى سياسة “فرق تسد” بأبشع صورها اتحاد يفرق ليحكم ويشتت ليبقى ويزرع الخلافات ليحافظ على كرسيه بينما ينهار كل شيء من حوله الثقة مفقودة والقبول الجماهيري في أدنى درجاته والأسئلة تتكاثر كيف يدار هذا الكيان ومن يمنحه هذه القوة رغم كل هذا الرفض
ورغم كل هذا الضجيج الإداري يقف المنتخب على موعد مع اختبارين وديين أمام المنتخب الأخضر B يومي 28 و31 مارس وهي مباريات لا تقاس بنتائجها فقط بل بما تحمله من ملامح مشروع جديد يتشكل في صمت بعيداً عن ضوضاء الاتحاد
كواسي أبياه فجر المفاجأة واختار طريق مختلف قائمة تخلو من الأسماء الكبيرة وتعتمد على عناصر شابة جائعة لإثبات نفسها مدرب لا يبحث عن حلول مؤقتة بل يؤسس لمستقبل كامل يرسم ملامحه لاعبون صغار في السن يحملون طموحاً أكبر من أعمارهم ويركضون بشغف لا يعرف الحسابات
والاعتماد على صغار السن ليس مغامرة بل هو استثمار حقيقي طويل الأمد فهؤلاء يمنحون المنتخب روحاً جديدة طاقة لا تنضب وحماساً ينعكس في كل دقيقة داخل الملعب لاعب شاب يقاتل من أجل تثبيت اسمه يساوي أضعاف لاعب أنهكته النجومية
ومن فوائد هذا التوجه أنه يخلق جيل متجانس ينمو مع بعضه البعض يفهم بعضه داخل وخارج الملعب ويصنع هوية فنية واضحة تستمر لسنوات لا لمباراة أو بطولة واحدة كما أن الاعتماد على الشباب يقلل من الضغوط ويمنح الجهاز الفني مساحة للعمل والتجريب دون خوف من ردة الفعل
كما أن هؤلاء الشباب يمثلون مشروع استقرار حقيقي منتخب يمكن أن يخدم لسنوات طويلة دون الحاجة لإعادة البناء كل فترة إضافة إلى أنهم أكثر قابلية للتطور والانضباط التكتيكي واستيعاب أفكار المدرب الحديثة وهو ما يصنع الفارق في كرة القدم الحالية
وجود عناصر مثل عامر يونس والجزولي نوح إلى جانب نجوم المنتخب الأولمبي يمنح التوليفة توازن بين الخبرة والطموح ويؤكد أن كواسي لا يبني فريقاً للحاضر فقط بل يرسم خارطة طريق لمستقبل مختلف منتخب يعرف ماذا يريد وكيف يصل
كواسي أبياه يعمل بعقلية المدربين الكبار مشروع واضح خطوات مدروسة ورؤية تتجاوز الفوضى الإدارية المحيطة به ولكن يبقى التحدي الحقيقي هل يترك له المجال ليكمل ما بدأ أم أن سياسة فرق تسد ستتدخل مرة أخرى لتقضي على الحلم قبل أن يكتمل
وعلى الاتحاد أن يختار إما أن يكون جزء من البناء أو يستمر في الهدم بصمته القاتل وحتى ذلك الحين سيبقى الأمل معلق على أقدام شباب قرروا أن يصنعوا الفارق رغم كل شيء
