من المدرجات

فن الإدارة

آدم عبدالله حماد

ليس من السهل أن تحظى لجنة تسيير بإجماع يكاد يصل للكمال في مجتمع يعرف عنه كثرة النقد وسرعة الانقلاب وعدم القبول بالفشل، لكن ما حدث داخل البيت الأحمر كان استثناء يؤكد أن هناك عمل يسير وفق مخطط محدد المدى فقد استطاعت لجنة التسيير أن تفرض نفسها بجدية الطرح ووضوح الرؤية، حتى ارتفعت الأصوات مطالبة بتمديد فترتها مرة بعد أخرى ثقة في قدرتها على إعادة المريخ إلى مكانه الطبيعي سيد لقمة الكرة السودانية.

ورغم هذا الزخم من الدعم لا يمكن تجاهل بعض الإخفاقات التي بدأت تلقي بظلالها على المشهد، ففقدان صدارة الدوري الرواندي وتكرار الإصابات وغياب الحسم في إدارة ملف الكرة تفتح أبواب التساؤلات على مصراعيها. وهي ملفات لا تقبل التأجيل أو المجاملة، لأن استمرارها بذات النهج قد يبدد كل ما بني من ثقة ويضع اللجنة أمام اختبار حقيقي مع جماهير لا ترحم.

الإدارة في جوهرها هي فن يمارس، ورغم أن غالبية أعضاء اللجنة لم يأتو من رحم الإدارة الرياضية، إلا أنهم يملكون أدوات النجاح من خلال خبراتهم في إدارة المؤسسات الكبرى. وهذا في حد ذاته يمنحهم أفضلية، لكنه لا يعفيهم من ضرورة الاستعانة بأهل الاختصاص، فلكل مجال أدواته، وكرة القدم ليست ساحة للتجارب مهما كانت النوايا صادقة.

وفى ملف المنشآت، تبدى الصورة أكثر ضبابيه، فالفوضى التي تضرب هذا الملف لم تعد خافية، بل أصبحت حديث الشارع المريخي. تصاعدت الأصوات مطالبة بالحسم، خاصة بعد مغادرة كفاءات هندسية مشهود لها بالخبرة، وهو مؤشر خطير على أن بيئة العمل لا تسير وفق الأسس الصحيحة. فخروج أهل الكفاءة هو نتيجة خلل عميق يحتاج إلى مواجهة شجاعة لا إلى مسكنات مؤقتة.

وعودة النشاط في المحال والموقف داخل الاستاد، تعكس حاجة لجنة المنشآت إلى إعادة تشكيل شاملة، تقوم على الكفاءة لا المجاملة، وعلى التخطيط لا ردود الأفعال. فسنوات من الغموض في ملف الإيجارات والتشابكات المالية جعلت الصورة ضبابية اكثر، وجاءت التوضيحات بالصفحة الرسمية لتزيد المشهد تعقيد بدل من أن تزيله.

إن اللجنة التي نجحت في كسب ثقة الجماهير بعملها المدروس مهددة بفقدان هذه الأرضية الصلبة إذا لم تتعامل بحزم مع ملفي الإصابات والمنشآت فهذه القضايا لا تعالج بالترقيع، ولا تحل بقرارات ارتجالية، بل تحتاج إلى إعادة نظر شاملة، وإلى خبراء متخصصين يضعون الأسس الصحيحة لإصلاح جذري طويل الأمد.

المرحلة القادمة لا تحتمل العودة إلى الوراء، ولا تقبل تكرار أخطاء الماضي. ومن أجل أن يظل المريخ في الطريق الصحيح، على لجنة التسيير أن تدير المرحلة بعقلية المؤسسة لا الأفراد، وأن تعتمد على التخطيط العلمي والمنهجية الواضحة، لأن الأندية العظيمة لا تبنى بالحماس وحده، بل تبنى بإدارة تعرف متى تحسن ومتى تُصحح، ومتى تضرب بيد من حديد.
ملف المنشآت، قنبلة موقوتة إن لم تُفكك الآن ستنفجر في وجه الجميع دون استثناء وملف الإيجارات الذي ظل لسنوات غارق في الغموض لم يعد يحتمل الصمت التبريرات لم تعد تقنع أحد، والشارع الأحمر لم يعد يطلب شرح بل يطالب بقرارات حاسمة تعيد الهيبة وتضع حد لهذا العبث.
إن لم يتم تفكيك هذا الملف بشفافية كاملة، وإعادة بنائه على أسس واضحة يقودها مختصون حقيقيون فإن كل حديث عن التطوير سيظل مجرد شعارات جوفاء. المنشآت ليست هامش في نادي بحجم المريخ، بل هي عموده الفقري، وإن انهار العمود سقط الجسد كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..