من المدرجات

الترقب سيد المشهد

آدم عبدالله حماد

يعيش الشارع الرياضي على صفيح ساخن حالة من الترقب المشحون بالأسئلة أكثر من الأجوبة انتظار ثقيل لدوري النخبة الذي يفترض أن يكون تاج المنافسات لكنه حتى الآن يبدو كأنه مشروع مؤجل داخل عقول الجماهير قبل أن يرى النور على أرض الواقع. هذا الترقب لم يعد مجرد حماس لبداية دوري ، بل تحول إلى قلق مشروع نابع من تجارب سابقة لم تُكتب لها النهاية التي تليق باسم “النخبة”.

في النسخة الماضية حينما اتجهت الأنظار نحو ولاية نهر النيل، وتحديداََ عطبرة، لم يتردد الجمهور في تلبية النداء. زحف المشجعون من كل حدب وصوب، تحملوا مشاق السفر، فقط ليشاهدوا نجومهم ويعيدوا الحياة للمدرجات التي اشتاقت للهتاف. كان المشهد مهيباََ في حضوره، لكنه مؤلم في تفاصيله؛ تنظيم لم يرقَ للمستوى برغم ان الولاية فعلت كل مابوسعها لكن البنيات التحتية كانت تعاني، والمعينات محدودة، وتجربة افتقدت لأبسط مقومات البطولة الكبيرة الاتحاد كان فى موقف المتفرج وكانت “نخبة” بالاسم فقط، أما في الواقع فكانت بعيدة عن طموحات جماهير وولاية دفعت من وقتها وجهدها وقلبها.

اليوم، ومع عودة الحديث عن دوري النخبة، اختار الاتحاد أن تكون الخرطوم مسرحاََ للحدث. قرار يطرح تساؤلات كبيرة. فالخرطوم، التي ما زالت تتلمس طريقها نحو التعافي، تعاني من تحديات واضحة في البنية التحتية والخدمات، وهو ما يضع البطولة أمام اختبار صعب منذ بدايتها. كيف يمكن لبطولة يُفترض أن تكون واجهة الكرة أن تُقام في بيئة لم تكتمل جاهزيتها بعد؟ وهل تم حساب كل التفاصيل أم أننا أمام مغامرة جديدة تُدار بمنطق رد الفعل لا التخطيط؟

دوري النخبة مباريات تجمع فرق تتنافس على اللقب،ومشروع متكامل يحتاج إلى رؤية واضحة، وتنظيم محكم، وإدارة واعية لكل صغيرة وكبيرة. يحتاج إلى ملاعب جاهزة، خدمات لوجستية متكاملة، تأمين، نقل، تحكيم عادل، وإعلام يواكب الحدث بالصورة التي تعكس قيمته. النخبة تعني الجودة، تعني الانضباط، تعني أن كل تفصيلة فيها تدار باحتراف.

لكن الواقع يقول إننا ما زلنا في مربع الانتظار، نراقب المشهد دون مؤشرات كافية تطمئن الشارع الرياضي. الجماهير التي كانت في السابق تندفع خلف الشغف فقط، أصبحت اليوم أكثر وعياََ، وأكثر مطالبة بحقها في بطولة تُحترم فيها إنسانيتها قبل عاطفتها. لم تعد تقبل أن تكون مجرد رقم في المدرجات، أو شاهد على فوضى تتكرر كل موسم.

الترقب هو حالة من الحذر وانتظار مشوب بالأمل، لكنه لا يخلو من الخوف من إعادة ذات السيناريو القديم، فقط بملعب مختلف. فهل استوعب الاتحاد دروس عطبرة؟ هل أعاد ترتيب أوراقه بما يضمن نسخة تليق باسم النخبة؟ أم أننا أمام نسخة جديدة من المعاناة، تُضاف إلى ذاكرة جمهور أنهكه الانتظار؟

الاتحاد الذى حدد وقت لانطلاق البداية بالتأكيد سيكون قد سبق الاعلان ترتيب لكل مايتعلق بالنخبة ، لأن الوقت لم يعد في صالحه. النجاح يبدأ ببداية البطولة، وكيفية إدارتها حتى صافرة الختام. فإما أن تكون هذه النسخة نقطة تحول تعيد الثقة وتمنح الجماهير ما تستحق، أو تكون حلقة أخرى في سلسلة الإخفاقات.

وإذا كان لا بد من التذكير، فإن دوري النخبة هو البطولة الأولى في السودان، الواجهة الحقيقية التي تعكس مستوى الكرة السودانية داخلياََ وخارجياََ، والمرآة التي يُقاس بها نجاح الاتحاد أو فشله. ومن هنا، فإن أي تقصير في الإعداد أو ضعف في التنظيم لا يُعد مجرد خلل عادي، بل انتقاص من قيمة الحدث نفسه. غير أن ما نراه حتى الآن من استعدادات واهتمام لا يرتقي إلى حجم هذه البطولة، ولا يعكس مكانتها التي تستحقها في وجدان الجماهير.

وبين هذا وذاك سيبقى “الترقب سيد المشهد” ، لكن هذه المرة بنبض مختلف؛ نبض يعرف جيداََ أن النخبة تصنع بالفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محمي ..