التدرج والصبر
آدم عبد الله حمّاد
تدرج نتائج المريخ بالدوري الرواندي، والصحوة الأخيرة خاصة في آخر مباراتين انتهتا بثلاثيات، استحقا انتزاع الإبداع من الحناجر، ليس أهدافًا ولا عودة الألق للهجوم فقط، بل مؤشرات فنية ونفسية تعكس تحولًا حقيقيًا داخل الفريق. هذا التدرج في الأداء جاء بالصبر والإصرار والاستقرار الفني، ونتاجًا لتراكم عمل بدأ بهدوء ومر بمراحل من المعاناة وعدم الثبات وهتاف عدم الرضا، حتى بدأ الآن يفرض نفسه على أرض الواقع.
فالفريق الذي كان يعاني في صناعة الفرص أصبح اليوم يصل إلى المرمى بسلاسة، ويترجم الفرص بثقة، وهذه نقلة لا تحدث إلا بالصبر والعمل المتواصل. والحديث عن الصبر ضرورة حقيقية يجب أن يدركها الجميع، إدارة وجماهير، فالفريق يمر بمرحلة بناء، وهذه المراحل بطبيعتها تحتاج إلى وقت حتى تنضج، والتسرع في إصدار الأحكام أو المطالبة بالتغيير عند أول تعثر قد يعيد الفريق إلى نقطة الصفر ويهدم ما تم بناؤه؛ لذلك فإن الصبر على الفريق ومنحه الثقة هو استثمار طويل المدى، نتائجه بدأت تظهر الآن، وقد تكون أكثر إشراقًا في المرحلة القادمة إذا استمر النهج نفسه.
الجهاز الفني بقيادة “داركو نوفيتش” يستحق أن يمنح المساحة الكافية للعمل بعيدًا عن الضغوط، فالرجل لم يعد الفريق بين ليلة وضحاها، بل تعامل مع واقع صعب، إصابات وعدم تجانس وضغط مباريات، ومع ذلك اختار أن يبني بهدوء، دون الالتفات للمخذلين، وأن يعتمد على التدرج في رفع مستوى الأداء. هذا التدرج هو ما نراه اليوم في تحسن خط الهجوم، وفي التنظيم داخل الملعب، وفي شخصية الفريق التي بدأت تظهر شيئًا فشيئًا، والصبر على الجهاز الفني يعني الإيمان بفكرته وليس فقط انتظار النتائج.
أما اللاعبون فهم أيضًا بحاجة إلى هذا الصبر والدعم، فاستعادة الثقة لا تأتي بالأوامر بل بالتجربة والتدرج. ومع كل مباراة يكتسب اللاعبون انسجامًا أكبر، وتزداد بينهم لغة التفاهم داخل الملعب، والانسجام، التمريرات التي أصبحت تصل بدقة بين اللاعبين، والتحركات التي تسبق الأهداف، كلها دلائل على أن الفريق بدأ يفهم نفسه، وهذه المرحلة هي الأخطر؛ لأنها تحتاج إلى تثبيت المكتسبات وعدم هدمها بالضغط أو التسرع.
التدرج في النتائج هو السمة الأبرز لهذه المرحلة، وهو أمر صحي جدًا، فالفريق لم يقفز قفزات وهمية طويلة، بل تقدم خطوة خطوة، من أداء متذبذب إلى أداء متوسط، ثم وصل مرحلة الأداء الأكثر استقرارًا، ومن نتائج صعبة وتعادلات إلى انتصارات مريحة. هذا النوع من التدرج يبني فريقًا قادرًا على الاستمرار، لا فريقًا يعيش لحظات مؤقتة ثم يتراجع؛ ولذلك فإن المحافظة على هذا النسق أهم من البحث عن انتصارات سريعة بلا أساس.
ما شاهدناه من “تابلوهات” جميلة وتنقلات سلسة تسبق الأهداف، في المباراة الأخيرة، يعكس أن هناك عملًا تكتيكيًا منظمًا، وأن الفريق بدأ يقترب من الشكل الذي يريده الجهاز الفني لصنع فريق يصنع الفارق في البطولات الكبرى، خاصة مع اقتراب منافسات النخبة التي لا تحتمل الأخطاء ولا تقبل إلا بالجاهزية الكاملة.
إذا واصل المريخ بهذا النهج، مع الالتزام بالصبر والتدرج، فإن القادم سيكون أفضل. الفريق لن يصل إلى القمة دفعة واحدة، لكنه يسير نحوها بثبات، وهذا هو الأهم. فالمريخ الذي يبنى على الصبر ويكبر بالتدرج، هو مريخ قادر على الاستمرار وعلى فرض نفسه في كل المنافسات.
الصبر على الفريق، والصبر على الجهاز الفني، والصبر على النتائج، ثلاثية صبر لا غنى عنها في هذه المرحلة، كما ثلاثية الأهداف. ومن يفهم قيمة هذه الثلاثية سيدرك أن ما يحدث هو بداية حقيقية لمريخ مختلف، مريخ يُبنى ليبقى.

