من المدرجات شيخ الاستادات.. الرديف والبدايات
آدم عبدالله حمّاد
يسير العمل هذه الأيام بوتيرة متسارعة من أجل تجهيز “شيخ الاستادات”، بعد الانتهاء من النجيل وتهيئته لاستقبال مباريات النخبة. وبرغم المعوقات الكثيرة التي فرضتها الظروف التي تحيط بالوطن، إلا أن الإرادة ما زالت حاضرة، والعزيمة أكبر من كل التأخير، لأن ما يحدث داخل “دار الرياضة” حتى الآن لا يشبه حجم الحدث، فعودة الرياضة إلى الخرطوم عودة روح افتقدتها المدينة طويلًا، وعودة صوت الحياة إلى المدرجات والشوارع والأحياء التي كانت تتنفس عشق الكرة.
فالخرطوم التي عاشت سنوات من القلق والصمت والألم والفقد، تحتاج اليوم إلى مشروع متكامل يعيد للملاعب بريقها، ويعيد للجماهير أماكنها الطبيعية خلف الأعلام والهتافات. والجماهير تنتظر أن ترى ملاعبها بصورة تليق بتاريخها، لأن استاد الخرطوم يمثل ذاكرة وطن كامل، وكتابًا مفتوحًا يحكي أجمل لحظات الكرة السودانية.
ولعل أكثر ما يمنح هذه العودة طعمًا مختلفًا عند المريخاب، لارتباطها بلقب محبب، إذ إن عودة استاد الخرطوم قد تشهد القمة بين المريخ والهلال، وقد تقام داخل الملعب الذي شهد ميلاد لقب “سيد البلد”، ذلك اللقب الذي ولد من رحم المجد والانتصارات.
ففي الثامن عشر من يونيو عام 1987 احتضن استاد الخرطوم واحدة من المباريات التاريخية في الدوري المحلي، حين انتصر المريخ بهدف “عصام الدحيش”، ذلك الهدف الذي كان شرارة قصيدة خالدة كتبها الشاعر الكبير الراحل “السر قدور”، ليخرج اللقب الأشهر “مريخنا يا سيد البلد”.
ومنذ تلك الليلة أصبح اللقب هوية كاملة لنادٍ صنع المجد، وأربك خصومه، وأسعد جماهيره لعقود طويلة. “سيد البلد” لقب لتاريخ من البطولات والمواقف والهيبة والحضور الجماهيري الذي ظل يملأ المدرجات عشقًا وفخرًا.
وعلى ذكر الألقاب التي صنعت وجدان الأمة المريخية، يبقى لقب “الزعيم” لصيقًا بالمريخ وحده، لأنه الزعيم الذي لا تغيبه الظروف، ولا تنكسر قامته مهما اشتدت العواصف. “أنت الزعيم أصل الهوى وملك الملوك أنت البطل”، هي وصف حقيقي لنادٍ ظل كبيرًا في حضوره وتأثيره وقيمته داخل وخارج الملعب.
أما “الصّفوة”، ذلك اللقب الذي أطلقه الأستاذ الكبير “إسماعيل حسن” على جماهير المريخ، فقد جاء معبرًا بدقة عن جمهور مختلف في كل شيء؛ جمهور يعشق بلا حدود، ويقف خلف فريقه في أوقات الفرح والحزن، جمهور ظل يسافر خلف المريخ في كل المدن والبلدان، ويحمل رايته أينما حل، لأن الصّفوة تسكن مدرجات العشق الأحمر، وتصنع الرهبة والجمال.
ومع عودة سيد البلد إلى الخرطوم، عادت البهجة إلى الوجوه، وعادت الشوارع تتزين بالأحمر، وعادت الأحاديث الجميلة تدور في المقاهي والأسواق عن المباريات والتشكيلات والذكريات القديمة. عودة المريخ متعة الحياة ورونقها، وعودة المدينة إلى نبضها الحقيقي.
ستغلي المدرجات من جديد، وسيعود الهتاف الذي اشتاقت له الجدران، وسيجلس كبار المريخ الذين حفظوا تاريخ المريخ جنبًا إلى جنب مع الأطفال الذين يحلمون بصناعة ذكريات جديدة. ستعود الروح إلى المكان، لأن عشق المريخ لا يشيخ، ولأن المدرجات تعرف جيدًا كيف تفتح ذراعيها للعائدين من الغياب الطويل.
خسارة رديف المريخ مباراته بالدوري الرواندي أمام فريق “أماغاجو” بهدف دون رد، لا تكفي للحكم على التجربة، لأن الفريق يضم عناصر شابة ما زالت في بداية الطريق، وتحتاج إلى الصبر والاحتكاك واكتساب شخصية المنافسات. وبعيدًا عن التدريبات وعن خيارات المدرب، ودون مقدمات، أُلقي بها في أتون المنافسات. وبرغم الخسارة، ظهرت فترات جيدة في الأداء، أكدت أن هذه المجموعة تملك الموهبة والطموح والرغبة، غير أن توتر البدايات كان ظاهرًا على الشباب الذين يحتاجون لمزيد من الثقة والخبرة.
لأن كرة القدم لا تُبنى في يوم واحد، وتحتاج إلى صقل التجارب الصعبة التي تصنع الشخصية، وتمنح اللاعبين القدرة على المواجهتين المقبلتين، خاصة أمام الهلال، وستكون اختبارًا حقيقيًا لهذه المجموعة حتى تثبت قدرتها على التطور والتعلم من أخطاء البداية.
فرديف المريخ مشروع مستقبل لنادٍ يريد أن يؤسس جيلًا جديدًا يحمل الراية لسنوات طويلة، والأمل الحقيقي دائمًا على الشباب، ليبدأ البناء والصبر على المواهب حتى تنضج وتكبر داخل أجواء المنافسة.
وسيبقى المريخ كبيرًا برجاله وجماهيره وتاريخه، وسيبقى شيخ الاستادات شاهدًا على أجمل الحكايات الحمراء، في انتظار يوم تمتلئ فيه المدرجات من جديد بهتاف الصّفوة، ويعود الضجيج الجميل الذي افتقدته الخرطوم كثيرًا.
